فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 357

فَالْعَمَلُ الصِّنَاعِيُّ أَعْلَاهَا رُتْبَةً؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مُعَاطَاةٍ فِي تَعَلُّمِهِ، وَمُعَانَاةٍ فِي تَصَوُّرِهِ، فَصَارَ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ مِنْ الْمَعْلُومَاتِ الْفِكْرِيَّةِ. وَالْآخَرُ إنَّمَا هُوَ صِنَاعَةُ كَدٍّ وَآلَةُ مِهْنَةٍ. وَهِيَ الصِّنَاعَةُ الَّتِي تَقْتَصِرُ عَلَيْهَا النُّفُوسِ الرَّذِلَةُ، وَتَقِفُ عَلَيْهَا الطِّبَاعُ الْخَاسِئَةُ.

كَمَا قَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ: لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٍ، وَكَمَا قَالَ الْمُتَلَمِّسُ:

وَلَا يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُسَامُ بِهِ ... إلَّا الْأَذَلَّانِ عَيْرُ الْحَيِّ وَالْوَتِدُ

هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ ... وَذَا يُشَجُّ فَلَا يَرْثِي لَهُ أَحَدُ

وَأَمَّا الصِّنَاعَةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْفِكْرِ وَالْعَمَلِ فَقَدْ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ صِنَاعَةُ الْفِكْرِ أَغْلَبَ وَالْعَمَلُ تَبَعًا كَالْكِتَابَةِ.

وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ صِنَاعَةُ الْعَمَلِ أَغْلَبَ وَالْفِكْرُ تَبَعًا كَالْبِنَاءِ.

أَعْلَاهُمَا رُتْبَةً مَا كَانَتْ صِنَاعَةُ الْفِكْرِ أَغْلَبُ عَلَيْهَا وَالْعَمَلُ تَبَعًا لَهَا. فَهَذِهِ أَحْوَالُ الْخَلْقِ الَّتِي رَكَّبَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا فِي ارْتِيَادِ مَوَادِّهِمْ، وَوَكَلَهُمْ إلَى نَظَرِهِمْ فِي طَلَبِ مَكَاسِبِهِمْ، وَفَرَّقَ بَيْنَ هِمَمِهِمْ فِي الْتِمَاسِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأُلْفَتِهِمْ، فَسُبْحَانَ مَنْ تَفَرَّدَ فِينَا بِلُطْفِ حِكْمَتِهِ، وَأَظْهَرَ فِطَنَنَا بِعَزَائِمِ قُدْرَتِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت