فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 357

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: قَدِّمْ لِحَاجَتِك بَعْضَ لَجَاجَتِك.

وَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى الصَّبْرِ مَنْ هَذَا حَالُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَالِبَ الشَّهْوَةِ، بَعِيدَ الْهِمَّةِ، فَيُشْعِرُ قَلْبَهُ الصَّبْرَ؛ لِقُوَّةِ شَهْوَتِهِ، وَجَسَدَهُ احْتِمَالَ التَّعَبِ؛ لِبُعْدِ هِمَّتِهِ.

فَإِذَا تَلَوَّحَ لَهُ الْمَعْنَى بِمُسَاعَدَةِ الشَّهْوَةِ أَعْقَبَهُ ذَلِكَ إلْحَاحُ الْآمِلِينَ وَنَشَاطُ الْمُدْرِكِينَ فَقَلَّ عِنْدَهُ كُلُّ كَثِيرٍ، وَسَهُلَ عَلَيْهِ كُلُّ عَسِيرٍ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَنَالُونَ مَا تُحِبُّونَ إلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ، وَلَا تَبْلُغُونَ مَا تَهْوُونَ إلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ» .

وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: أَتْعِبْ قَدَمَك، فَإِنْ تَعِبَ قَدَّمَك.

وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: إذَا اشْتَدَّ الْكَلَفُ، هَانَتْ الْكُلَفُ، وَأَنْشَدَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ:

لَا تَعْجِزَنَّ وَلَا يَدْخُلْك مُضْجِرَةٌ ... فَالنُّجْحُ يَهْلِكُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَالضَّجَرِ

وَأَمَّا الْمَانِعُ مِنْ حِفْظِهِ بَعْدَ تَصَوُّرِهِ وَفَهْمِهِ فَهُوَ النِّسْيَانُ الْحَادِثُ عَنْ غَفْلَةِ التَّقْصِيرِ وَإِهْمَالِ التَّوَانِي. فَيَنْبَغِي لِمَنْ بُلِيَ بِهِ أَنْ يَسْتَدْرِكَ تَقْصِيرَهُ بِكَثْرَةِ الدَّرْسِ وَيُوقِظَ غَفْلَتَهُ بِإِدَامَةِ النَّظَرِ. فَقَدْ قِيلَ لَا يُدْرِكُ الْعِلْمَ مَنْ لَا يُطِيلُ دَرْسَهُ، وَيَكُدُّ نَفْسَهُ. وَكَثْرَةُ الدَّرْسِ كَدُودٌ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ إلَّا مَنْ يَرَى الْعِلْمَ مَغْنَمًا، وَالْجَهَالَةَ مَغْرَمًا. فَيَحْتَمِلُ تَعَبَ الدَّرْسِ لِيُدْرِكَ رَاحَةَ الْعِلْمِ وَيَنْفِي عَنْهُ مَعَرَّةَ الْجَهْلِ.

فَإِنَّ نَيْلَ الْعَظِيمِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَعَلَى قَدْرِ الرَّغْبَةِ تَكُونُ الْمَطَالِبُ، وَبِحَسَبِ الرَّاحَةِ يَكُونُ التَّعَبُ.

وَقَدْ قِيلَ: طَلَبُ الرَّاحَةِ قِلَّةُ الِاسْتِرَاحَةِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَكْمَلُ الرَّاحَةِ مَا كَانَتْ عَنْ كَدِّ التَّعَبِ، وَأَعَزُّ الْعِلْمِ مَا كَانَ عَنْ ذُلِّ الطَّلَبِ. وَرُبَّمَا اسْتَثْقَلَ الْمُتَعَلِّمُ الدَّرْسَ وَالْحِفْظَ وَاتَّكَلَ بَعْدَ فَهْمِ الْمَعَانِي عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْكُتُبِ وَالْمُطَالَعَةِ فِيهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ فَلَا يَكُونُ إلَّا كَمَنْ أَطْلَقَ مَا صَادَهُ ثِقَةً بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ فَلَا تُعْقِبُهُ الثِّقَةُ إلَّا خَجَلًا وَالتَّفْرِيطُ إلَّا نَدَمًا.

وَهَذِهِ حَالٌ قَدْ يَدْعُو إلَيْهَا أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءِ:

إمَّا الضَّجَرُ مِنْ مُعَانَاةِ الْحِفْظِ وَمُرَاعَاتِهِ وَطُولِ الْأَمَلِ فِي التَّوَفُّرِ عَلَيْهِ عِنْدَ نَشَاطِهِ وَفَسَادِ الرَّأْيِ فِي عَزِيمَتِهِ. وَلَيْسَ يَعْلَمُ أَنَّ الضَّجُورَ خَائِبٌ، وَأَنَّ الطَّوِيلَ الْأَمَلِ مَغْرُورٌ، وَأَنَّ الْفَاسِدَ الرَّأْيِ مُصَابٌ.

وَالْعَرَبُ تَقُولُ فِي أَمْثَالِهَا: حَرْفٌ فِي قَلْبِك، خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ فِي كُتُبِك. وَقَالُوا: لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَعْبُرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت