(فصل: في النظر في كتاب الله تعالى وسنة رسوله)
ومن تسلية أهل المصائب: أن ينظر المصاب في كتاب الله وسنة رسول الله، فيجد أن الله تعالى أعطى ـ لمن صبر ورضي ـ ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي.
ومن أنفع الأمور للمصاب: أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وليعلم أنه في كل قرية ومدينة بل في كل بيت من أصيب، فمنهم من أصيب مرةً، ومنهم من أصيب مرارًا، وليس ذلك بمنقطع حتى يأتي على جميع أهل البيت، حتى نفس المصاب، فيصاب، أسوة بأمثاله ممن تقدمه، فإنه إن نظر يمنةً فلا يرى إلا محنةً، وإن نظر يسرةً فلا يرى إلا حسرةً.
وذكر أبو الفرج بن الجوزي بإسناده عن عبد الله بن زياد، قال: حدثني بعض من قرأ في الكتب: أن ذا القرنين، لما رجع من مشارق الأرض، ومغاربها، وبلغ أرض بابل، مرض مرضًا شديدًا، فلما أشفق أن يموت، كتب إلى أمه: يا أماه، اصنعي طعامًا، واجمعي من قدرت عليه، ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة، واعلمي هل وجدت لشيء قرارًا باقيًا، وخيالًا دائمًا؟! إني قد علمت يقينًا، أن الذي أذهب إليه خير من مكاني، قال: فلما وصل كتابه، صنعت طعامًا، وجمعت الناس، وقالت: لا يأكل هذا من أصيب بمصيبة، فلم يأكلوا، فعلمت ما أراد، فقالت: من يبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت، وعزيتني فتعزيت، فعليك السلام حيًا وميتًا.
فإذا علم المصاب أنه لو فتش العالم، لم ير فيهم إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، فسرور الدنيا أحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلا أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا ساءت دهرًا، وإن متعت قليلًا منعت طويلًا، وما ملأت دارًا حبرةً إلا ملأتها عبرةً وما حصلت للشخص في يوم سرورًا، إلا خبأت له في يوم شرورًا.
قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: لكل فرحة ترحة، وما ملئ بيت فرحًا إلا ملئ ترحًا.
وقال ابن سيرين: ما كان ضحك قط إلا كان بعده بكاء.
فليعلم العبد أن فوت ثواب الصبر والتسليم هو الصلاة والرحمة والهداية في قوله تعالى: {إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} .
وقد تقدم ذلك، فما ضمنه الله على الصبر والاسترجاع، أعظم من المصيبة في الحقيقة، والله أعلم.