(فصل: في وجوب الصبر على المصيبة)
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} وقال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} والآيات التي فيها الأمر بالصبر كثيرة جداً معروفة.
قال الإمام أحمد: ذكر الله سبحانه وتعالى الصبر في القرآن في تسعين موضعاً.
اعلم أن حقيقة الصبر، عند أرباب التصوف: خلق فاضل من أخلاق النفس، يمنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها.
قال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه منه، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل، وهو متجلد، لا يرى منه إلا الصبر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصبر على المصائب واجب باتفاق أئمة الدين، وإنما اختلفوا في وجوب الرضا.
انتهى كلامه.
فالصبر واجب من حيث الجملة، ولكنه يتأكد بحسب الأوقات فهو في زمن الطاعون آكد منه في غيره، فإنه إذا صبر على الإقامة في البلد الذي وقع فيه الطاعون، وصبر عند موت أولاده أو أقاربه أو أصحابه، وصبر أيضاً عند مصيبته بنفسه، وعلم يقيناً أن الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير، وأن الله تعالى كتب الآجال في بطون الأمهات، كما ثبت في الصحاح: كتب رزقه وأجله، وشقي هو أم
سعيد، فلا زيادة ولا نقص إلا في صلة الأرحام، ففيها خلاف معروف بين أهل العلم، فإذا صبر واحتسب لم يكن له ثواب دون الجنة، وإذا جزع ولم يصبرأثم وأتعب نفسه ولم يرد من قضاء الله شيئاً.
ولقد ضمن الوافي الصادق الناطق في محكم كتابه حيث قال عن الصابرين: أنهم يوفون أجرهم بغير حساب.
وأخبر أنه معهم بهدايته ونصرة العزيز وفتحه المبين، فقال تعالى: {إن الله مع الصابرين} فذهب الصابرون بهذه المعية التي هي خير الدنيا والآخرة، وشارك بعض الأنبياء في قوله: {إنني معكما أسمع وأرى} وأخبر تعالى أن الصبر خير لأهله خبراً مؤكداً.
فقال تعالى: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} وأخبر أن الصبر مع التقوى لا يضر معه كيد الأعداء أبداً.
فقال: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط} .