(فصل)
لما توفيت الياقوتة بنت المهدي، جزع عليها جزعًا لم يسمع بمثله، فجلس للناس يعزونه، وأمر أن لا يحجب عنه أحد، فأكثر الناس في التعازي، واجتهدوا في البلاغة، فأجمعوا أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شبة، فإنه قال: أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجرًا، وأعقبك خيرًا ولا أجهد بلاءك بنقمة، ولا نزع منك نعمة، ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده.
وفي رواية قال: يا أمير المؤمنين، الله خير لك منها، وأنا أسأل الله أن لا يحزنك ولا يفتنك.
وعزى عمرو بن عبيد يونس بن عبيد، على ولد له مات، فقال: إن أباك كان أصلك، وإن ابنك كان فرعك، وإن امرءًا ذهب أصله وفرعه لحري أن يقل بقاؤه.
وعزى صالح المري رجلًا قد مات ولده، فقال: إن كانت مصيبتك أحدثت لك عظة في نفسك، فنعم المصيبة مصيبتك، وإن كانت لم تحدث لك عظة في نفسك، فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بابنك.
وعزى رجل رجلًا، فقال: يا أخي، العاقل يصنع في أول يوم ما يفعله الجاهل بعد عام.
وعزى رجل رجلًا فقال: عليك بتقوى الله، والصبر فيه، فإنه يأخذ المحتسب وإليه يرجع الجازع.
وعزى رجل رجلًا فقال: إن من كان لك في الآخرة أجرًا، خير ممن كان لك في الدنيا سرورًا.
وعن ابن جريج، قال: من لم يتعز عند مصيبته بالأجر والاحتساب، سلا كما تسلو البهائم.
قال بعض السلف، وقد عزى مصابًا: إن صبرت فهي مصيبة واحدة، وإن لم تصبر فهما مصيبتان.
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، عن ميمون بن مهران، قال عزى رجل عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - على ابنه عبد الملك، فقال عمر: الأمر الذي نزل بعبد الملك أمر كنا نعرفه، فلما وقع لم ننكره.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، قال: مات ابن رجل، فحضره عمر بن عبد العزيز، فكان رجل حسن العزاء، فقال رجل من القوم: هذا والله الرضا، فقال عمر بن عبد العزيز: أو الصبر، قال سليمان: الصبر دون الرضا، الرضا: أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضيًا بأي ذلك كان، والصبر: أن يكون بعد نزول المصيبة فيصبر.
وذكر الحافظ بن عساكر: قال إبراهيم بن خالد: كتب محمد بن إدريس الشافعي إلى رجل من إخوانه من قريش، يعزيه بابن أصيب به: اعلم يا أخي، أن كل مصيبة لا يجبر صاحبها ثوابها فهي المصيبة العظمى، فكيف رضيت يا أخي بابنك فتنة، ولم ترض به نعمة؟ وكيف رضيت به مفارقًا، ولم ترضى به خالدًا؟ وكيف رضيته على التعريض من الفساد، ولم ترض به على اليقين من الصلاح؟ بل كيف لك بمقت منعم ولم تعرف له نعمة؟ يريك ما تحب، ويرى منك ما يكره؟ ارجع إلى الله عز وجل، وتعز برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمسك بدينك، والسلام.
وذكر أيضًا بإسناده قال: كتب رجل إلى أخ له يعزيه بابنه: أما بعد، فإن الله تعالى وهب لك موهبة، جعل عليك رزقه ومؤنته، وأن تخشى فتنته، فاشتد لذلك فرحك، فلما قبض موهبته وكفاك مؤنته، اشتد لذلك حزنك، أقسم بالله إن كنت تقيًا لهنئت على ما عزيت عليه، ولعزيت على ما هنئت عليه، فإذا أتاك كتابي هذا فاصبر نفسك عن الأمر الذي لا صبر لك على عقباه، واصبر نفسك عن الأمر الذي لا غنى بك عن ثوابه، واعلم أن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها، فذلك الحزن الدائم، والسلام.
عن عبد الله بن صالح العجلي، قال: كتب ابن السماك إلى رجل يعزيه عن مولود له مات: أما بعد، فإن استطعت أن يكون شكرك حين قبضه الله عز وجل منك، أكثر منه حين وهبه لك، فافعل، فقد أحرز لك هبته حيث قبضه، ولو بقي لم تسلم من فتنته، أرأيت حزنك على فراقه، وتلهفك على ذهابه! أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك، أما هو فقد خلص من الكدر وبقيت أنت معلقًا بالخطر، والمصيبة إن جزعت، فهي واحدة إن صبرت، ومصيبتان إن لم تصبر، فلا تجمع الأمرين على نفسك، والسلام.
وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه: أما بعد، فإن الولد على والده ما عاش حزن وفتنة، فإذا قدمه فصلاة ورحمة، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيع ما عوضك الله من صلاته ورحمته.
وقال موسى بن المهدي لإبراهيم بن مسلم، وعزاه بابنه: أسرك وهو بلية وفتنة؟ وأحزنك وهو صلوات ورحمة؟!
وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه دفن ابنًا له فضحك عند قبره، فقيل له: أتضحك عند قبر؟! قال: أردت أن أرغم الشيطان.