(فصل: في أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها)
وليعلم المصاب أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها، وهو في الحقيقة يزيد في مصيبته، بل يعلم المصاب أن الجذع يشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه.
وإذا صبر واحتسب أخزى شيطانه، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات في الأمر الديني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر» .
فهذا هو الكمال الأعظم، لا لطم الخدود وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، والتسخط على المقدور.
قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، يريد بذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» .
وقال الأشعث بن قيس: إنك إن صبرت إيمانًا واحتسابًا، وإلا سلوت كما تسلو البهائم.
بل يعلم المصاب أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، بل يكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه على مصيبته، فلينظر أي المصيبتين أعظم، مصيبته العاجلة بفوات محبوبه، أو مصيبته بفوات بيت الحمد في جنة الخلد؟
و «في الترمذي مرفوعًا: يود ناس لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء» .
وليعلم المصاب الجازع، وإن بلغ به الجزع غايته ونهايته، فآخر أمره على صبر الاضطرار، وهو غير محمود، ولا مثاب عليه، فإنه استسلم للصبر وانقاد إليه على رغم أنفه.
قال يحيى بن معاذ ابن آدم، مالك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت؟ مالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟
فإذا علم الجازع على المصيبة أن الجزع لا يرد ما فات، وأنه يسر الشامت، فأي عقل لمن لم يتفكر في العاقبة، ويذكر مآله إلى مصيبة أصابت غيره أنها تصيبه في نفسه، وأنه أمر لا بد منه فليستعد له.
وكانت امرأة من العابدات بالبصرة، تصاب بالمصائب فلا تجزع، فذكروا لها ذلك، فقالت: ما أصاب بمصيبة فأذكر معها النار، إلا صارت في عيني أصغر من الذباب.
ومما يسلي العبد قول بعض الحكماء: قد مات كل نبي، ومات كل نبيه وفقيه وعالم، فلا تجزع، ولا يوحشنك طريق الخلائف فيها.
وقال بعض السلف، وقد سأله رجل، فقال: عظني، فقال: انظر منك إلى آدم.
هل ترى عينًا تطرف؟ فقال: حسبك.