فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 95

لعلكم تقولون: أنتَ الذي تقترح مثل هذه الأمور إما أن تكون مجتهدًا أو مُقلِّدًا، فإن كنتَ مجتهدًا فقولك حجة بالنسبة إليك فقط ولا يفيد الآخرين شيئًا، وأما إن كنت مُقَلِّدًا فلا كلام للجاهل مع العالم، وبعبارة أخرى هذا الموضوع ليس من اختصاصك فالزم الصمت.

نعم، هذا الكلام صحيح ولكنه صحيح بالنسبة إلى الطريق لا بالنسبة إلى النتيجة. أي أنك إذا أعطيت الخيَّاط قماشةً وطلبت منه أن يخيط لك منها ثوبًا، فلا يجوز لك أن تسأله كيف سيقصّ القماش وكيف سيخيطه. ولكن عندما سيعطيك الثوب لا بدَّ أن يكون مطابقًا لقياسك وجسمك وإلا لكان لك الحق أن تسأله لماذا أضعت وقتي ومالي وأفسدت قماشي؟ وأنتم أيضًا لا تقولوا للمشرِّع كيف استنبط الحكم وبأي مستند أو طريقة قام بعملية استخراج الحكم، ولكن الحكم الذي أصدره لا بدَّ أن يكون مطابقًا لحكم العقل وقانون الطبيعة الذي هو حكم الله القطعي المُسَلَّم به، وإلا لأصبح الأمر ما نشاهده اليوم: آيةٌ واحدةٌ هي {إن الله يحبّ المتطهّرين} [1] تتضمَّن أمرًا بسيطًا للغاية يمكن لكل إنسان أن يعلم حدوده، بفطرته التي وهبه الله إيَّاها، نراهم يؤلفون بشأنه كتبًا ضخمةً [حول أحكام الطهارة والنجاسة] يفوق حجم الواحد منها حجم القرآن بعدة أضعاف! وليت الأمر اقتصر على ذلك، بل نجد فيما كتبوه أن ماء خزان ماء الحمام وماء حوض المسجد، رغم كل التلوث الذي فيهما، ماءٌ طاهر، أما أطهر المياه إذا نقص حجمه قدر إبرةٍ عن حجم «الكُرّ» ، فإنه يتنجَّس بمجرد أن تمسه يدٌ نجسة، لكن إذا بلغ هذا الماء مقدار «الكُرّ» فحتى لو بال فيه كلبٌ لم ينجس لأنه عندئذٍ يزيد عن مقدار «الكُرّ» [لزيادة حجمه ببول الكلب فيه] ، أما إذا شرب الكلب منه فإنه ينجس لأنه عندئذٍ ينقص عن مقدار «الكُرّ» !!!

(1) اختصارٌ منه لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت