فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 95

إن موظَّف الدولة إما أن يكون متديّنًا أو لا يكون. فإن لم يكن متدينًا فلا حساب لنا معه، وإن كان متديّنًا فإنهم لَقَّنُوهُ مع الدين أن العمل بالدولة سيءٌ ومالُها حرام، ففي هذه الصورة سيعتبر نفسه منذ البداية مُسيئًا وأنه من أهل جهنم، وسيدخل إلى الوظيفة بهذه الروحية، فماذا تتوقعون من مثل هذا الشخص سوى العمل بالمثل القائل: «الغريق لا يخاف من زخّة مطر» ! ثم إن الذي يدفع الإنسان إلى العمل بإخلاص وجديّة ويمنعه من الخيانة هو أولًا الدين وثانيًا العقل والوجدان. فإذا توفَّر لدى الشخص الاثنان معًا [الدين والوجدان] كان أثر ذلك، بالطبع، كبيرًا جدًا، وإذا توفر لديه أحدهما فقط كان أثر ذلك أقلّ. وعندما يكون الاثنان متعارضين فإن كل واحد منهما يبطل عمل الآخر. إذا كان الأمر كذلك، فإننا نرى هنا أن العقل يقول: لا فرق بين العمل في الدولة ومال الدولة وبين أي عمل ومالٍ آخر، بل لما كان مال الدولة متعلقًا بجميع الناس فالحفاظ عليه أوجب، أما ديننا فيقول: إن مال الدولة مجهول المالك، وحسب تفسير الناس: هو مالٌ لا صاحب له، فلا يبقى إلا الخوف وهو لا يتوفَّر في كل مكان.

لهذا السبب نرى أن عمل الدولة أصبح في نظر الموظَّف وسيلةً لتحقيق المصلحة الشخصية، وفي نظر الناس: كان عمل الدولة من الأصل سيِّئًا فصار بأمثال هؤلاء الموظفين أسوأ.

نعرف أناسًا يقدِّمون الرشوة ليحصلوا على جواز سفر ويذهبوا به إلى زيارة [العتبات] التي هي - حسب قولهم أنفسهم - عمل مستحبٌّ، في حين أن إعطاءهم الرشوة حرام قطعي!

كلنا يعلم أن أفضح الأكاذيب بمجرد أن يوضع عليها اسم الدين يُصدِّقُها الناس دون سؤال! ولكن على العكس من ذلك يبذل الناس كل ما لديهم من حنكة وذكاء وتفتيش كي يكتشفوا ثغرات في القوانين واللوائح يمكنهم من خلالها أن يتعدَّوْا على القانون ويتلاعبوا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت