فهرس الكتاب
ديننا اليوم يقول إن القانون الوحيد الرسمي الذي تجب طاعته هو قانون الشرع، أما القوانين الأخرى فكلها قوانين مُخْتَرعة [ما أنزل الله بها من سلطان] بل هي بدع محدثة! لو تأملتم هذه العقيدة بشيء من الدقة لاكتشفتم أحد أهم أسباب شقاء وتعاسة هذا البلد. ذلك لأن قوانين الشرع مهما كانت جامعة وَكاملة فإنه من المحال أن تلبِّي جميع حاجات البشر وتستوعبها في كل زمان ومكان، كما نشاهد أننا اليوم بحاجة إلى كثير من القوانين مثل قانون تسجيل العقود وقانون المصارف وقانون المرور وقوانين المرافعات القضائية ومحاسبات الميزانية والجمارك ومئات من أمثال هذه الأمور التي لم تأتِ في الشريعة. إذا كان الأمر كذلك، فلو أردنا أن نضع قوانين لتلك الأمور من جهة، ومن الجهة الأخرى قلنا إنها غير رسمية أو بدعة، كان مَثَلُنا مَثَلُ الذي يصب الماء في الحوض من الأعلى، ويأتي آخر فيثقب الحوض من الأسفل! وهذا يفسِّر لنا السبب في عدم وجود أيَّة قيمة للقانون في بلدنا رغم كل هذه المؤسسات والدوائر التي فيه، لأن القانون إنما يكون حيًا فاعلًا عندما يضرب بجذوره في قلوب الناس، وإلا فإنّه يكون مثل الشجرة الورقية التي لها ظاهر شجرة ولكن أقل نسمة من الريح تطيح بها.
لست أدري كيف يتصرّف الناس في البلدان الأخرى تجاه القانون، ولكن يبدو أنه لا يوجد في أي بلد في الدنيا من يعتبر مخالفة القوانين وانتهاكها واجبًا [دينيًا] أو جزءًا من شطارة الشخص.
شاب أمضى سَنَتَيْ خدمته العسكرية بالكسل والبطالة والخلاعة والفجور، والآن بدلًا من أن يخفي سيرته القبيحة هذه، أخذ يتبجَّح بها ويحكيها لفلان وفلان، وسامعوه يقولون له بضحكةٍ ممزوجة بالتشجيع والتحسين لفعله، نعم يا فلان! إن الخدمة الإلزامية تعني التملُّص والتفلُّت من العسكرية.