الصفحة 165 من 398

والاهم من كل ذلك والابين في درجة الانكشاف ما حصل في (سقيفة بني ساعدة) حيث ان مجريات ما حصل في (السقيفة) ليدل دلالة قاطعة على انتفاء أي دليل لإمامة معلومة لشخص من الاشخاص قد ثبتت زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا في (الدار) ولا في (الغدير) .

فالانصار ارادوا الإمامة لهم، والمهاجرون بايعوا أبا بكر، ولم يعترض أحد مطلقًا على الذي جرى بذكر لحديث (الدار) أو لغيره ولو على سبيل الاشارة والتنبيه، أو العرض والتذكير لا من علي رضي الله عنه نفسه، ولا من اقرب المقربين إليه ممن يدعي الشيعة فيهم انهم الوحيدون الذين ثبتوا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بولاليتهم للامام علي رضي الله عنه كـ (عمار، وسلمان، وابي ذر رضي الله عنهم اجمعين) [1] .

(1) * أيعقل اعتراض أبي ذر رضي الله عنهم على معاوية رضي الله عنهم في كنز الأموال وسكوته عن غصب الإمامة؟!

تنقل كتب الأحاديث، والتواريخ، والسير حوادث جرت على ايدي من يدعي الشيعة انهم ثبتوا على إمامة علي رضي الله عنهم من الصحابة تدل على اعتراضهم ورفضهم لبعض ما صدر من الولاة والامراء في مسائل اجتهادية فقهية، قابلة للاختلاف ووجهات النظر.

ولا اظن ان احدًا لا يعرف بالذي جرى بين أبي ذر ومعاوية رضي الله عنهما في قضية كنز الاموال - ذكرها البخاري في صحيحه تحت باب ما أدى زكاته فليس بكنز-، حيث وصل اعتراض أبي ذر رضي الله عنهم على ما ذهب إليه معاوية في ان الكنز للاموال المذكور في القرآن يخص أهل الكتاب إلى درجة التشنيع، والطعن، والنزاع.

حتى اضطر معاوية رضي الله عنهم إلى شكاية أبي ذر رضي الله عنهم إلى امير المؤمنين عثمان رضي الله عنهم.

والسؤال الذي ينقدح بقوة هنا، أين كان هذا الإعتراض من هؤلاء الاصحاب عندما انتهكت محارم الدين بنقض أصل من أصوله بغصب الظالمين لحق علي رضي الله عنهم في الإمامة لماذا لم يعترضوا محتجين بالادلة الواضحة التي يدعي الشيعة ورودها في إمامة علي رضي الله عنهم كـ (حديث الدار أو حديث الغدير) ؟

على ماذا يدل هذا خصوصًا إذا ما علم انتفاء أي اعتراض من هؤلاء الاصحاب على امير من الامراء الذين تنصبوا في مكان لا ينبغي بادعاء الشيعة ان يكون لهم وإنما لغيرهم؟

وأقول أيضًا:

نضرب عنقك الذي فيه عيناك

ولعل البعض يعترض على ما ذكرنا من جهة ان هذا الادعاء بأن هناك من الصحابة من ينكر على المخالفات التي ترد من الناس وقتها حتى لو كان هذا المخالف خليفة المسلمين وامير المؤمنين، فيقول:

ان هذا مجرد كلام يحاول أهل السنة به ان يحسنوا صورة كل من الخلفاء الثلاثة ومن كان موجودًا في ازمانهم من الصحابة، ونحن نجيب على هذا الإعتراض:

بأن حالة الانكار للمخالفات الشرعية - وعلى راسها الإمامة - من قبل الصحابة رضي الله عنهم في ازمان الخلفاء الأربعة كان سلوكًا متبعًا، وحالة عامة لا تتخلف عن فرد من افراد الأمة.

وهذه الحقيقة لم ينفرد في نقلها وتثبيتها والبناء عليها أهل السنة فقط، بل هو ما نقله أيضًا علماء الشيعة مثبيتين لها، بانين عليها الاحكام.

وخذ على سبيل المثال ما قاله السيد محمد باقر الصدر في كتابه (فدك في التاريخ ص:50) عندما صور حالة المسلمين ابان خلافة (أبي بكر وعمر) بصورة تبين عنفوان ذلك الجيل وتحمسه لدينه، بحيث انه في سبيل دينه هذا لا يبالي بمن امامه حتى لو كان امير المؤمنين نفسه موضحًا ان حماسة هذا الجيل وتعلقه بدينه كان له الفضل في انتشار الإسلام وانتصاره، حيث قال:

نعلم ان المسلمين في ايام الخليفتين كانوا في اوج تحمسهم لدينهم والاستبسال في سبيل عقيدتهم حتى ان التاريخ سجل لنا:

(ان شخصًا أجاب عمر حينما صعد يومًا على المنبر وسأل الناس:

لو صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين؟ إذن كنا نستتيبك فإن تبت قبلناك، فقال عمر: وان لم؟

قال: نضرب عنقك الذي فيه عيناك.

فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من إذا اعوججنا اقام اودنا)..

ثم قال الصدر:

ونعلم أيضًا ان رجالات الحزب المعارض (واعني به أصحاب علي) كانوا بالمرصاد للخلافة الحاكمة، وكان أي زلل وانحراف مشوهٍ للون الحكم حين ذاك كفيلًا بأن يقلب الدنيا راسًا على عقب، كما قلبوها على عثمان يوم اشترى قصرًا، ويوم ولى اقاربه، ويوم عدل عن السيرة النبوية المثلى، مع ان الناس في ايام عثمان كانوا اقرب إلى الميوعة في الدين، واللين والدعة منهم في ايام صاحبيه.

ونفهم من هذا ان الحاكمين كانوا في ظرف دقيق لا يتسع للتغيير والتبديل في اسسس السياسة ونقاطها الحساسة لو ارادوا إلى ذلك سبيلًا، لانهم تحت مراقبة النظر الاسلامي العام الذي كان مخلصًا كل الاخلاص لمبادئه، وجاعلًا لنفسه حق الاشراف على الحكم والحاكمين، ولانهم يتعرضون لو فعلوا شيئًا من ذلك لمعارضة خطرة من الحزب الذي ما يزال يؤمن بأن الحكم الاسلامي لا بد ان يكون مطبوعًا بطابع محمدي خالص، وان الشخص الوحيد الذي يستطيع ان يطبعه بهذا الطابع المقدس هو علي وارث رسول الله ووصيه وولي المؤمنين من بعده..

أقول:

فهذه هي صورة ذلك الجيل كما ينقلها الصدر واقف بالمرصاد لكل محاولة قد تصدر لتغيير هذا الدين، أو لتبديله حتى لو كان هذا المحاول هو امير المؤمنين نفسه ودلل على هذا بالقصة التي نقلها عن سيدنا عمر، والسؤال الذي يطرح نفسه:

ايعقل ان يتفق هذا الجيل جميعه بجميع مكوناته على انكار حادثتي (الدار والغدير) ؟ أو حتى دون اعتراض بسيط يوجه إلى المنكرين من قبلهم؟

هذا مما لا يمكن ان يتصور مع حال ذلك الجيل والصفات التي يحملونها.

لأضع سيفي على عاتقي

ولعل ما ذكره الصدر لا يكفي في ان يشفي صدور البعض ولكي نحقق هذا الشفاء ننقل كلامًا آخر لعالم شيعي آخر يثبت وصف الانكار للمخالفة الشرعية في جيل الصحابة ايام الخلفاء الثلاثة هو العالم (جعفر سبحاني) حيث نقل في كتابه (موسوعة كتاب الفقهاء ص:40 - 41) نماذج لاصرار الصحابة على تثبيت الحق الذي يعلمون ولانكارهم على ما يرونه مخالفًا للشرع ومغايرًا له، فتناول في كتابه موسوعة طبقات الفقهاء ما ياتي من الصور:

أختلف أبي بن كعب والخليفة الثالث في قراءة قوله سبحانه: (( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) )فأصر أبي انه سمع عن النبي (بالوأو) وكان نظر الخليفة إلى انه خال منها، فتشاجر عند كتابة المصحف الواحد وإرساله إلى العواصم، فهدده أبي وقال:

لابد وأن تكتب الآية بالوأو وإلا لأضع سيفي على عاتقي فألحقوها0

كما نجد أن الإمام عليه السلام أمر برد قطائع عثمان إلى بيت المال، وقال: (والله لو وجدته قد تُزوج به النساء، ومُلكَ به الإماء، لرددته، فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق..

ثم قال:

نرى أن عليًا عليه السلام بعدما تقلد الخلافة الظاهرية اعترض على إقامة صلاة التراويح جماعة، كما اعترض على قراءة البسملة سرًا في الصلوات الجهرية إلى غير ذلك من البدع المحدثة، فعارضها الإمام وشدد النكير عليها بحماس

أقول:

أبي بن كعب يهدد الخليفة بالسيف لانه رأى فيه مخالفة لما يعلم يقينًا انه حكم الشرع فيه، والقضية ليست قضية عقدية أو فيصلية وإنما هو حرف واحد وهو حرف (الوأو) .

ايعقل في حق هذا الشخص انه يرى الدين ينقص منه، ويغيير ويقعد ساكتًاَ لا يعارض، أو يعترض، ولا يبين، أو ينكر؟ ان العقل يجزم أنه لا يظن به ذلك، بل لا يتصور.

أم ان عليًا رضي الله عنهم وهو على الحال الذي نقله السبحاني يتصور في حقه وهو يرى ان أصل الدين (الإمامة) ينتزع منه، ويعطى لمن لا يستحقه فيسكت، ويهادن، ويصاهر، وهو الذي فعل ما فعل بقطائع عثمان وبغيرها من الصور التي نقلها جعفر سبحاني؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت