الصفحة 46 من 398

وكذلك لا يمكن جعل هذه الحادثة بالذات دليلًا على الإمامة، فإن الذي يأخذ بهذه الحادثة محاولًا جعلها دليلًا على الإمامة يقوم بنفيها من حيث لا يشعر، وذلك لكونها بجميع تفاصيلها تنقض دعوى الإمامة جملة وتفصيلًا، إذ هي ترفع عنها الحكم بأنها منصب الهي، وتنفي عنها أي ميزة ممكن ان تلحق بها، أو ان تضاف إليها لأن العرض لها كما هو واضح من الرواية كان موجهًا لعموم الحاضرين وجميعهم من الكفار والمشركين.

وكذلك ترفع كل خصوصية قد تلحق بالإمام من جهة انه لا تحديد له ابتداءًا فقضية الاصطفاء تنفيها هذه الحادثة وتلغيها من الاعتبار، فالإمام غير محدد اصالة، ولم يتم اختياره ابتداءًا، والاصطفاء له الذي يدعيه من يقول بالإمامة مرفوع كل الرفع، لأن هذه الحادثة تشير إلى ان التنصيب كان بعد العرض، وان الاختيار تم بعد القبول، فهو لم يكن محددًا مسبقًا، ولا مختارًا أصلًا.

ولو كانت الحادثة قد جاءت بصورة اخرى لربما كان لها نوع قبول من مثل ان يجمع الرسول هؤلاء القوم ثم يأتي بعلي رضي الله عنه فيقول لهم:

(هذا وصي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له واطيعوا) .

لو كانت الحادثة بهذه الصورة لكان لها نوع وجه في الاستدلال، ولكن مع انتفاء هذه الصورة، ونقل صورة اخرى مغايرة تمامًا الا وهي صورة العرض والقبول فلا مكان مطلقًا يمكن ان يقف عليه المستدل في نقله لهذه الحادثة وبنائه الاحكام عليها.

لا مثيل لهذه الحادثة في تنصيب المبلغين طوال التاريخ

واؤلئك الأنبياء جميعًا ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معروف كيف تم اصطفاؤهم واختيارهم، ومعلوم كيف ظهرت عليهم دلائل النبوة وعلاماتها، وكيف اظهروا الدليل المثبت لنبوتهم، المقيم للحجة على مخالفيهم لم تكن مثل هذه الصورة حاضرة مطلقًا في دعوتهم، ولا في اثبات نبوتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت