الصفحة 71 من 398

لذلك عندما قرر النبي صلى الله عليه وسلم ان لا يذهب هو بنفسه إلى الحج، قام بتعيين من يقوم مقامه بهذا الأمر، فوقع الاختيار منه على أبي بكر رضي الله عنه، فكان هو امير الحج النائب عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه والممثل له في اداء مراسمه، والقيام بمهامه وكان هو الذي تحققت فيه الشروط المطلوبة في النائب كاملة من غير نقص، والمؤهل تأهيلًا تامًا من غير ما قدح دون غيره من الصحابة كلهم.

ان مجرد تصور هذه الامارة لابي بكر رضي الله عنه يكفي في معرفة قدر أبي بكر، والمنزلة التي يحتلها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند المسلمين وكذلك يكفي في نقض (حديث الدار) من ان يكون له أثر من جهة، ويعطي الاولوية والافضلية لابي بكر رضي الله عنه من جهة اخرى لكون اختيار التمثيل الدال على النيابة والوصاية قد وقع عليه [1] .

(1) * سورة براءة

ادعى الشيعة ان ارسال علي رضي الله عنه للتبليغ بسورة براءة له دلائل ومعاني تخص استحقاقه الإمامة دون غيره، على اختلاف بينهم في توجيه هذا الأمر، بناءًا على اختلافهم في طبيعة الارسال وخصائصه.

حيث ان منهم من يرى ان أبا بكر رضي الله عنه كان مبعوثًا أصلًا للتبليغ بسورة براءة، ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم عليًا لياخذها منه ويقوم هو باداء هذا الدور.

ومنهم من ذهب إلى ان أبا بكر رضي الله عنه كان هو المبلغ والامير، فارسل علي رضي الله عنه مكانه، ورجع أبو بكر رضي الله عنه إلى المدينة حزينًا ومستفسرًا عن الأسباب.

هذا هو مجمل اعتراضهم في هذه القضية الذي بنوا عليه ادعائهم في استحقاق علي رضي الله عنه للامامة، وللرد على هذا الادعاء نقول:

ان الشيعة كعادتهم في الاستدلال على ادعاءاتهم، ينتقون ما ينفعهم ويخدم اغراضهم من الأخبار حتى لو كانت شاذة ومنكرة، ويتركون المتواتر والمقطوع بثبوته ما دام مخالفًا لهم وعلى الضد من توجهاتهم.

وهم لم ينفكوا مطلقًا عن اتباع هذه العادة، وايضًا لم يتركوا عادتهم في عدم استيعاب كل الأخبار الواردة في المسألة للتوصل إلى الصورة الحقيقية والواقعية لها.

وفي هذه القضية أيضًا ساروا على هذا النهج، فتلقفوا بعض الروايات المنكرة والشاذة ليثبتوا مدعاهم، تاركين المشهور والمعلوم من الأخبار الموضحة لمجريات هذه الحادثة، ونحن بعد هذه المقدمة البسيطة سنوضح بايجاز الرد على هذه الادعاءات:

أولًا:

المعلوم بالتواتر القطعي ان أبا بكر رضي الله عنه هو المتولي لامرة الحج في السنة التاسعة للهجرة لا غيره، وهو الذي تولى بنفسه اداء مراسم ومناسك هذا الحج ابتداءًا من أول فقرة من فقراته حتى اخرها، وعلي رضي الله عنه كان تحت امرته يصلي خلفه ويسمع خطبته وينفذ اوامره ومطالبه.

* ففي البخاري (ج1 ص:97) عن أبي هريرة، قال:

بعثنى أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى ان لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن عبد الرحمن:

ثم اردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فأمره ان يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة:

فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان..

* وروى ابن هشام في سيرته (ج4 ص:279) عن الإمام المعصوم (محمد الباقر) ، انه قال:

لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبى بكر، فقال: لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى، ثم دعا على بن أبى طالب رضي الله عنه، فقال له:

اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته، فخرج على بن أبى طالب رضي الله عنه على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فلما رآه أبو بكر بالطريق قال: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا..

* قال الشيخ الالباني في ارواء الغليل (ج4 ص:300) :

حديث: (لا يطوف بالبيت عريان) متفق عليه. صحيح. وهو من حديث أبي هريرة، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله ابن عباس..

ثانيًا:

ان سورة براءة نزلت بعد خروج أبي بكر رضي الله عنه فطلب بعض الصحابة من الرسول صلى الله عليه وسلم ان يبعث بها إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبلغها فلم يشأ الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك لأن العرب كانوا حديثي عهد بكفر فعاملهم على مقتضى عاداتهم بأن لا يبلغ في قضية العهود والمواثيق الا المعاهد نفسه، أو رجل من أهل بيته.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لو ارسل غير علي رضي الله عنه لكان انتقاصًا من شأن العرب، واحتقارًا لعاداتهم وتقاليدهم، لذا فعاملهم بما عندهم والمتبع فيما بينهم مما لا يخالف الشرع درءًا للمفاسد.

ثالثًا:

ان الذي قام به أبو بكر رضي الله عنه اعظم بكثير بكل المقاييس من الذي قام به علي رضي الله عنه، فابو بكر رضي الله عنه كان اميرًا على الجميع وبضمنهم علي رضي الله عنه، فهو الذي خطب يوم التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النفر الأول، وكان يعرف الناس مناسكهم في وقوفهم وافاضتهم، ونحرهم، ونفرهم، ورميهم للجمرات، والكل كان تابعًا له في هذه الأمور وبضمنهم علي رضي الله عنه.

اما الذي قام به علي رضي الله عنه فهو تبليغ مخصوص بأمور محددة وقد دلت الروايات على انه حتى في هذا التبليغ كان تابعًا لابي بكر رضي الله عنه في ادائه، إذ ان الصديق كان هو الموجه له في هذا التبليغ، ولا استقلالية له مطلقًا فيه.

وقد امر أبو بكر رضي الله عنه أبا هريرة رضي الله عنه في رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب رضي الله عنه في انجاز مهمته هذه، والأمور التي كان يبلغها علي رضي الله عنه يقرأ عليهم صدر سورة براءة - العشر الأول منها - ثم ينادي باربعة أمور:

(لا يدخل الجنة الا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك) ، وهذه ينادي بها خلفًا لابي بكر في المواطن التي كان يخطب فيها، وهذه الأمور تثبت تبعيته لابي بكر رضي الله عنه وانقياده التام له.

رابعًا:

ولا اعتراض بقول البعض ان تبليغ القرآن أهم من الامرة اثرًا ودورًا، لذلك انتدب لها علي رضي الله عنه، لأن القرآن كما هو معلوم تبليغه لا يختص بعلي رضي الله عنه فهو لا يثبت بخبر احاد، فلا بد في ثبوته ان يكون منقولًا بالتواتر، لذا فمما يعلم قطعًا ان موافقة الصحابة لعلي رضي الله عنه فيما بلغه امر ثابت ومقرر لتحقق التواتر.

اضافة لهذا فإن تبليغ القرآن للناس امر قام به كل فرد من المسلمين، فلم يختص باحد فالنبي صلى الله عليه وسلم ارسل معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن، ومصعب بن عمير رضي الله عنه إلى المدينة وغيرهما الكثير، ولم يكن في هذا دليل مطلقًا على الافضلية أو استحقاق فوظيفة التبليغ امر لازم لجميع المسلمين بلا استثناء قال صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) .

وكما ذكرنا ان هذا التبليغ كان خاصًا بايات معينة، لاناس معينين، في وقت مخصوص، فهو ليس تبليغًا عامًا للقران كله، أو لتعاليم الدين الدين اجمع، ولم يثبت اختصاصه به، ولا معاودة هذا الأمر لا قبل هذه الحادثة ولا بعدها، مما يدل على انتفاء الخصوصية والافضلية.

ومن اراد الاستزادة فما عليه الا الرجوع إلى المصادر الاتية:

منهاج السنة النبوية - شيخ الإسلام ابن تيمية ج:8 ص:148 - 160. الحجج الدامغات في الرد على المراجعات - لابي مريم الاعظمي ج1 ص:273.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت