الصفحة 124 من 211

ولهذا لم يثنِ الله على أحد في القرآن بنسبه أصلًا: لا على ولد نبي، ولا على أبي نبي، وإنما أثنى على الناس بإيمانهم وأعمالهم، وإذا ذكر صنفًا وأثنى عليهم، فلما فيهم من الإيمان والعمل، لا لمجرد النسب.

ولما ذكر الأنبياء - ذكرهم في الأنعام - وهم ثمانية عشر نبيًا، قال: {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 87] ، فبهذا حصلت الفضيلة باجتبائه - سبحانه وتعالى - وهدايته إياهم إلى صراط مستقيم، لا بنفس القرابة.

وقد يوجب النسب حقوقًا، ويوجب لأهله حقوقًا، ويعلق فيه أحكامًا من الإيجاب والتحريم والإباحة، لكن الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، على الأعمال لا على الأنساب.

ولما قال - تعالى: {إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33] ، وقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54] ، كان هذا مدحًا لهذا المعدن الشريف، لما فيهم من الإيمان والعمل الصالح.

ومن لم يتصف بذلك منهم لم يدخل في المدح، كما في قوله - تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 26] , وقال - تعالى: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: 113] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت