فهرس الكتاب
وقال ابن تيمية بعد أن ذكر بعض ما ينقل من كلام الصحابة بعضهم في بعض، على تقدير صحته: «فليس جعل كلام المفضول قادحًا في الفاضل بأولى من العكس؛ بل إن أمكن الكلام بينهما بعلم وعدل، وإلا تكلَّم بما يُعلم من فضلهما ودينهما، وكان ما شجر بينهما وتنازعا فيه أمره إلى الله. ولهذا أوصوا بالإمساك عمَّا شجر بينهم، لأنَّا لانُسأل عن ذلك، كما قال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهَّر الله منها يدي، فلا أحب أن أخضب بها لساني، وقال آخر: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] ...» [18] .
القاعدة الثانية عشرة: وقوع الصحابة - رضي الله عنهم - في الخطأ أو الذنب لا يمنع خيريَّتهم:
يؤمن أهل السنة بأن الصحابة - رضي الله عنهم - بشر يصيبون ويخطئون، وخطؤهم لا يمنع خيرتهم، والتزام هذا المنهج الوسط يجعل المنصف يضع أخطاءهم في موضعها الصحيح، ولا يسقطهم لخطأ عارض أو زلة عابرة.
قال ابن تيمية في سياق حديثه عن حرب الجمل: «ولكنَّ حرب الجمل جرت بغير اختياره ولا اختيارهم [يعني: علي من جهة، وطلحة والزبير من جهة ثانية] فإنَّهم كانوا قد اتفقوا على المصالحة وإقامة الحدود على قتلة عثمان، فتواطأت القتلة على إقامة الفتنة آخرًا كما أقاموها أولًا، فحملوا على طلحة والزبير وأصحابهما، فحملوا دفعًا عنهم، وأشعروا عليًَّا أنَّهما حملا عليه، فحمل عليٌّ دفعًا عن نفسه، وكان كلٌّ منهم قصده دفع الصيال لا ابتداء القتال، هكذا ذكر غير واحد من أهل العلم بالسير، فإذا كان الأمر قد جرى على وجه لا ملام فيه: فلا كلام، وإن كان قد وقع خطأ أوذنب من أحدهما أو كليهما، فقد عرف أنَّ هذا لا يمنع ما دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة من أنَّهم من خيار أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين، وأنَّهم من أهل الجنَّة» [19] .