فهرس الكتاب
قال ابن تيمية: «.. والعلم بتفاصيل أحوال كل واحد منهم - يعني: الصحابة - باطنًا وظاهرًا، وحسناته وسيئاته واجتهاداته، أمر يتعذر علينا معرفته، فكان كلامنا في ذلك كلامًا فيما لا نعلمه، والكلام بلا علم حرام، فلهذا كان الإمساك عمَّا شجر بين الصحابة خيرًا من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال، إذ كان كثير من الخوض في ذلك - أو أكثره - كلامًا بلا علم، وهذا حرام لو لم يكن فيه هوى ومعارضة الحق المعلوم، فكيف إذا كان كلامًا بهوى يطلب فيه دفع الحق المعلوم؟، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنَّة: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنَّة، ورجل علم الحق قضى بخلافة فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار) ، فإذا كان هذا في قضاء بين اثنين في قليل المال أو كثيره، فكيف بالقضاء بين الصحابة في أمور كثيرة؟.
فمن تكلَّم في هذا الباب بجهل أو بخلاف ما يعلم من الحق كان مستوجبًا للوعيد، ولو تكلَّم بحق لقصد اتباع الهوى لا لوجه الله - تعالى - أو يعارض به حقًَّا آخر، لكان أيضًا مستوجبًا للذم والعقاب» [16] .
وقال أيضًا: «ولهذا كان من مذهب أهل السُّنَّة: الإمساك عمَّا شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم، وما وقع: منهم ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان، ومنهم ما تاب صاحبه منه، ومنه ما يكون مغفورًا.
فالخوض فيما شجر يوقع في نفوس كثير من النَّاس بغضًا وذمًَّا، ويكون هو في ذلك مخطئًا، بل عاصيًا، فيضر نفسه ومن خاض معه في ذلك، كما جرى لأكثر من تكلَّم في ذلك، فإنهم تكلموا بكلام لا يُحبه الله ولا رسوله، إمَّا مِن ذمِّ مَن لا يستحق الذم، وإمَّا من مدح أمور لا تستحق المدح؛ ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف» [17] .