فهرس الكتاب
لقد جاء الإسلام ليُحرِّر العقل البشري من آسار الخرافة وأساطير الجاهلية، وليعتقه من منطق الآباء والأجداد، ثم ينطلق به بعد ذلك إلى آفاق رحبة واسعة من الإنتاج والعطاء، في الحدود والأطر التي حدَّدها له الشارع الحكيم.
ويُشير ابن تيمية - رحمه الله تعالى - إلى أنَّ الأدلَّة العقلية من الأدلَّة التي قررها القرآن العظيم والسُّنَّة النبوية المطهرة، حيث قال: «والكتاب والسُّنَّة يدلُّ بالإخبار تارة، ويدل بالتنبيه تارة، والإرشاد والبيان للأدلة العقلية تارة. وخلاصة ما عند أرباب النظر العقلي في الإلهيات من الأدلَّة اليقينية والمعارف الإلهية قد جاء به الكتاب والسُّنَّة، مع زيادات وتكميلات لم يهتد إليها إلا من هداه الله بخطابه، فكان فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأدلَّة العقلية والمعارف اليقينية فوق ما في عقول جميع العقلاء من الأولين والآخرين» [1] .
ولأن الرافضة نهلوا كثيرًا من منهج المعتزلة والجهمية والفلاسفة فقد اعتنى ابن تيمية - رحمه الله - بالردِّ على هؤلاء، وأبان منهج أهل السُّنَّة في التعامل مع العقل، والفرق بينه وبين منهج غيرهم، فكان من ملامح ذلك:
التلازم بين العقل والنقل:
يذكر ابن تيمية وجود التلازم والتوافق بين الأدلَّة الشرعية النقلية، والأدلَّة العقلية، فيقول: «والقول كلَّما كان أفسد في الشرع، كان أفسد في العقل، فإنَّ الحق لا يتناقض، والرسل إنَّما أخبرت بحق، والله فطر عباده على معرفة الحق، والرسل إنَّما بُعثت بتكميل الفطرة لا بتغيير الفطرة، قال الله - تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] ، فأخبر أنَّه سيريهم الآيات الكونية والنفسية المبيِّنة؛ لأنَّ القرآن الذي أخبر به عباده حق، فتتطابق الدلالة البرهانية القرآنية، والبرهانية العيانية، ويتصادق موجب الشرع المنقول والنظر المعقول» [2] .