فهرس الكتاب
اللّهم، ولي إليك حاجة قد قصر عنها جهدي، وتقطعت دونها حيلي، وسوّلت لي نفسي رفعها إلى من يرفع حوائجه إليك، ولا يستغني في طلباته عنك، وهي زلّةٌ من زلل الخاطئين، وعثرةٌ من عثرات المذنبين، ثُمَّ انتبهت، بتذكيرك لي، من غفلتي، ونهضت، بتوفيقك لي، من عثرتي، وقلت: سبحان ربي، كيف يسأل محتاجٌ محتاجًا، وأنّى يرغب معدمٌ إلى معدمٍ، فقصدتك، يا إلهي، بالرغبة، وأوفدت عليك رجائي بالثقة بك، وعلمت أنّ كثير ما أسألك يسير في وُجدك، وأن خطير ما أستوهبك حقيرٌ في وسعك، وأنَّ كرمك لا يضيق عن سؤال أحد، وأنَّ يدك بالعطاء أعلى من كلّ يد».
وهكذا نرى أنَّ هذا الدعاء ينطلق ليركّز في ذهنية الإنسان الفكرة التي تنفتح على الكلّي القدرة، الكريم في العطاء، الواسع في النعماء، الذي لا يضيق كرمه عن سؤال أحد، كما أنَّ يده بالعطايا أوسع من كلّ يد، والذي يُستغنى به ولا يستغنى عنه، ويُرغب إليه ولا يُرغب عنه. كما ينفتح على الإنسان المحتاج إلى ربّه، لأنَّ ذلك ليس شيئًا ذاتيًا ينطلق من سرّ الغنى في شخصه، بل هو شيءٌ طارىء، يستمده من عطاء ربّه، في ما يمنحه من قدرة، أو يعطيه من إمكانات.
وإذا كان الإنسان؛ كلّ إنسان، في موقع الحاجة إلى اللّه، فكيف يتوجّه الإنسان الواعي إلى مثله ليرفع حاجته إليه، وهل ذلك إلاَّ لونٌ من ألوان الغفلة عن حقيقة الفقر الإنساني أمام حقيقة الغنى الإلهي، بالإضافة إلى أنها زلّةٌ من زلل الخاطئين، وعثرةٌ من عثرات المذنبين، لأنها خطيئةٌ تتصل بالانحراف عن خطّ الاستقامة في التصوّر التوحيدي للإنسان، وبالخلل في الوعي الإيماني للحقيقة الإلهية في معنى وجود الإنسان وحركته، وفي سعة القدرة وشموليتها؟! وهكذا تتبلور لدى الإنسان مسألة الاستعانة باللّه وحده، بعيدًا عن الاستعانة بغيره.