الصفحة 153 من 243

إن العلل والأسباب تجري في الحياة الدنيا على مقتضى العقل والسنن الكونية التي تربط الأسباب بمسبباتها، فالجوع يدفعه الأكل، والعطش يدفعه الماء، ومن أراد الولد فالزواج من أسبابه، ومن كان به مرض فالدواء من أسباب دفعه, وهكذا هي سنة الحياة.

إن المسلم يعتقد أن الذي يملك الضر والنفع هو الله وحده ، ولكنه يؤمن أن الله I ربط الحياة الإنسانية بالأسباب والعلل على قاعدة"إعقلها وتوكّل"..حتى إذا عجزت أسبابنا توجهنا إلى خالق الأسباب ومسببّها. لقد أمر اللهُ تعالى مريمَ البتول عليها السلام حينما أجاءها المخاض إلى جذع النخلة أن تهز بجذعها لتسقط عليها رطبًا ! فهل رأيت إنسانًا هز نخلة من قبل لتسقط عليه رطبًا ؟! ناهيك عن هذه المرأة الضعيفة وهي بعدُ في أضعف حالاتها بين آلام الوضع ! إنه الأخذ بالأسباب.

المحور الخامس:

الخروج من مقتضى الأسباب والعلل في الدعاء والطلب يوجب الخلل في العقيدة:

إن ما يفرق بين دعاء العبادة ودعاء ما ليس بعبادة، هو خروجه من الأسباب والعلل الطبيعية، ولتوضيح ذلك نقول: إن من أجهده العطش مثلًا فدعا خادمه ليحضر له الماء, فعمله ليس بدعاء, لأنه جارٍ على قانون العلل والأسباب. وهكذا من إستنصر بالحي القريب، أو طلب الإعانة من صديقه مثلًا، أو إستغاث بأحد القريبين منه ليغيثه, أو يعينه في أمر ليس من خصائص الرب عز وجل.

ولكنه إذا إستغاث بولي ميت، أو إستغاث بغائب في مكان آخر, أو إستعان بالحي الحاضر ما هو من خصائص الرب I كأن يطلب منه أن يرزقه ولدًا، أو أن يغفر له ذنوبه، فلا شك أن عمله هذا إمّا هو من عمل المجانين، أو أنه أمر يتعلق بعقيدته؛ ذلك لأنه ما لم يعتقد أن المدعو الميت أو الغائب عنه بمئات الأميال، قادر على إيصال الماء إليه، لما دعاه، وترك طلب الماء من خادمه الذي بين يديه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت