فهرس الكتاب
فإن قلت قد أنكر صلى الله عليه وسلم على أسامة قتله لمن قال لا إله إلا الله كما هو معروف في كتب الحديث والسير، قلتُ: لا شك أن من قال:"لا إله إلا الله"من الكفار حقن دمه وماله حتى يتبين منه ما يخالف ما قاله، ولذا أنزل الله في قصة محلم بن جثامة آية:? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ? [النساء/94] فأمرهم الله تعالى بالتثبت في شأن من قال كلمة التوحيد، فإن تبين التزامه لمعناها كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. وإن تبين خلافه فلم يحقن دمه وماله بمجرد التلفظ. وهكذا كل من أظهر التوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك. فإذا تبين لم تنفعه هذه الكلمة بمجردها. ولذلك لم تنفع اليهود ولا نفعت الخوارج مع ما انظم إليها من العبادة التي يحتقر الصحابة عبادتهم إلى جنبها، بل أمر صلى الله عليه وسلم بقتلهم، وقال:"لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"وذلك لما خالفوا بعض الشريعة وكانوا شر القتلى تحت أديم السماء، كما ثبتت به الأحاديث. فثبت أن مجرد كلمة التوحيد غير مانع من ثبوت شرك من قالها لارتكابه لما يحالفها من عبادة غير الله) ( [34] ) .
ولتقريب مخالفة القول للفعل، وأنه لا عبرة بالقول إذا خالفه الفعل نقول:
لو فرضنا أنك دعوت صديقًا لك لزيارتك، فقلت له: هل لك أن تزورني عصر غدٍ في بيتي؟
فقال: نعم سأزورك.
وحل الغد وارتحل العصر ولم يأت إلى زياتك.
فهل تستطيع أن تعتبر هذا الصديق زائرًا لك؟!
لقد قال أنه سيزورك بلسانه، ولكنه أخلف بوعده وخالف فعله قوله.
وهذا حال من تلفظ بالشهاديتن بلسانه، ولكنه لم يفعل ما يوجب عليه هاتين الشهادتين من إقرار وأفعال.
الفصل الثاني
أسباب الغلو في الصالحين
المحور الأول: نظرة الناس للأنبياء: