فهرس الكتاب
ولكن الله يُعلّم رسوله بأن هذه الأمور لا تقع في نطاق قدرته، لأنه بشر لا يملك أن يقوم بأيّ عملٍ خارقٍ للعادة من خلال قدراته الذاتية، فهو مجرد رسول يُوحَى إليه ليبلِّغ الناس ما يريد الله له أن يبلِّغه في وحيه، وليس من شأن الرسالة أن تغير الكون في نظامه الكوني، بل إن دورها أن تغيّره في نظامه الإنساني العملي... ولذلك، فلا مجال لأيّ شيءٍ مما تقترحونه ? قُلْ سُبْحَانَ رَبّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا? وليس عليّ إلا أن أبلغكم رسالات ربي، وأفتح عقولكم من خلال الحوار الذي يقودكم إلى الحجة على صدق الرسالة.
? وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءهُمُ الْهُدَى ? في وحي الله على يد رسوله، ? إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا ? في استغراب يوحي بالإنكار أو بالشك، انطلاقًا من التصور الخاطىء الذي يرى الرسالة شيئًا من شؤون الملك، لا من شؤون الإنسان. ولكن الله يعالج المسألة بتصحيح هذا التصور، فإن الرسالة تفرض الدعوة بالفكر وبالقدوة، فلا بد من أن يكون الرسول من الناس، ليكون تجسيده للرسالة في سلوكه أساسًا للإيمان بواقعية الفكرة التي يدعو إليها، من خلال خصوصيته البشريّة، أما إذا كان ملكًا، فإن الناس سيحتجّون بعدم امتلاكهم قدرة الملك على تجسيد أخلاقية الرسالة في الحياة. وربّما كانت المسألة تتجه إلى المقولة التي تؤكد على أن الإنسان لا يتحمل النظر إلى الملك، ? قُل لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ ? لكان من الضروري أن يكون الرسول إليهم منهم، ليتناسب فكره مع فكرهم، وقدرته العملية مع قدرتهم. ? لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا? لأن ذلك هو الذي يجعل إمكانات النجاح متوفرة في تجربته الرسالية.) ( [36] )
وعن الحكمة من جعل الرسول من البشر: يقول شيخ الإسلام إبن تيمية: