الصفحة 74 من 243

فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا -فضلا عن غيره- شبيها لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد.

وحق الأنبياء وبخاصة نبينا الأكرم محمد r: يتجلى في الإيمان به وبما جاء به من أمر ونهي، وحبه الذي يتجلى في اتباعه والأخذ بسنته، والإكثار من ذكره وتمني رؤيته والشوق إلى لقائه وتقديم محبته على محبة النفس والمال، ومحبة من أحبهم، وبغض من أبغضهم, وتوقيره، وتعظيمه, وتعزيره, ونصرته، والذب عنه . . إلخ.

أما حق الأولياء, وحق الآباء على الأبناء, وحق المسلم على المسلم، وحق الجار على الجار, وحق الضيف، وحق الزوجة، وغيرها من الحقوق التي جاء بها ديننا الحنيف؛ فقد بينتها الشريعة بشكل واضح لا لبس فيها, ولا تداخل.

ولو فرضنا ـ جدلًا ـ أن هناك تداخلًا في هذه الحقوق, فإن حق الله تعالى أولى بالإعتبار والتقديم، ذلك لأنه ليس في إعطاء حق المخلوق للخالق بما يليق بجلاله وكماله غلو ولا إسراف، فإن حق الله تعالى على المخلوق فوق الحصر؛ ولهذا فمهما عظّمتَ الخالق، ومهما أثنيتَ عليه فلا توفي جزءًا يسيرًا من حقه عليك. ولهذا كان نبينا r يقول: ( لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ) في حين أن المخلوق نبيًا كان أم وليًا، فإن له حقوقًا محدودة، فمن تجاوزها فقد وقع في الغلو، وكل غلو فيهم إنما هو مجاوزة لحق الله تعالى وتعدٍّ على حدوده، وهو بالتالي وقوع في المحذور الذي هو إما شرك أكبر لا يغفره الله تعالى، أو شرك أصغر أكبر من كل كبائر الإثم والذنوب.

مع أننا نؤكد دائمًا وأبدًا أنه ليس من حقوق الأنبياء والأولياء خاصة بعد وفاتهم: دعاؤهم، أو الإستعانة بهم أو التوسل بهم، أو طلب الشفاعة منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت