مع هذا الكلام الجميل الذي يبرئ القرآن أولا من التحريف، ويبرئ ساحة الأمة الإسلامية في الصدر الأول من دواعي التحريف، إلا أنه عاد ـ وكعادة كل الذين ينتصرون لمذهبهم في الحق والباطل ـ عاد ليقول إن إعتماد طرق الروايات عند أهل السنة في جمع القرآن لا يثبت صحة هذا القرآن وسلامته من التحريف.
عاد ليقول: إن القول بنسخ التلاوة الذي يقول به أهل السنة هو بعينه القول بالتحريف والإسقاط. أو أن بعض الصحابة كانوا ينكرون كون المعوذيتن من القرآن، أو أن أهل السنة ينكرون كون البسملة آية من كل سورة، وبذلك يكونون قد أسقطوا من القرآن أكثر من مائة آية ... إلخ.
الرد على الشبهات:
هذا ولقد زعم المستشرقون جملة من الطعون في سلامة القرآن من التحريف، وتبعهم الحسين النوري الطبرسي ومن وافقه الرأي من علماء الشيعة، وهي كلها طعون واهية مستندها الوهم والكذب، وسنذكر بعضها ورد أهل السنة عليها:
أولا: يقول النوري الطبرسي: إن اليهود والنصارى غيروا وحرفوا كتب أنبيائهم، فهذه الأمة لابد وأن تغير وتحرف القرآن، عملا بقول النبي r: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ) . قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى ؟ قال: ( فمن ؟) ( [99] ) .
ليس في هذا الحديث الشريف أن كل ما وقع عند اليهود والنصارى سيقع في هذه الأمة، لأسباب:
1.إن القرآن مستثنى من هذا العموم، لأن الله تعالى أوكل إلى اليهود والنصارى حفظ كتبهم، فلم يقدروا. في حين أن الله تعالى هو الذي تولى حفظ القرآن، لأنه خاتمة الكتب السماوية، فليس بعد قرآننا كتاب يستدرك ما حرف منه، ولا بعد نبينا نبي يصحح ما قد يقع فيه من تحريف. وهذا معلوم بالعقل قبل أن يعلم بالنقل.
2.إن هناك أشياء كثيرة وقعت لدى بني إسرائيل لم تقع في أمة محمد r كعبادة العجل، وقتل الأنبياء. فليس معنى الحديث تشابه المسلمين في كل شيء وقع في بني إسرائيل.