ومنها قول سيدنا علي t في نهج البلاغة للأشتر النخعي حين ولاه مصرا: ( وَارْدُدْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ ) . فلولا أن سنة النبي r كانت محفوظة ومعلومة لما كان لقوله t من معنى. وهكذا الحال في إحتجاجه بالسنة مع الخوارج ومع معاوية.
ثم هل يستطيع مسلم أن يستغني عن سنة النبي r ويكتفي في دينه على ما جاء في القرآن فقط؟
ربما يقال هنا أن أصول الدين يحويها القرآن ولا حاجة فيها إلى السنة. فإذا صح هذا الكلام في الأصول، فلا يمكن أن يصح في الفروع أو في العبادات. فأعداد الصلوات الخمسة وفروض الزكاة وغيرها من العبادات أخذها المسلمون من السنة القولية والفعلية للنبي r.
وأما قول الشيعة بأن الخليفة عمر بن الخطاب منع من كتابة أحاديث النبي r فكان هذا سببا في ضياع كثير من سنة النبي القولية، فهذا أيضا من بهتهم، ذلك لأن الصحابة والتابعين كانوا يعتمدون على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر، وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم.
ومع هذا فقد كان قسم من الصحابة يكتب الحديث لنفسه، ولا أدل على ذلك من قول أبي هريرة في صحيح البخاري: ( لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ r أَكْثَرُ مِنِّي حَدِيثًا إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَلاَ أَكْتُبُ) .