ولما أراد الله تعالى أن يختتم الرسالات والأنبياء بعد أن ـ بلغ المجتمع البشري في عصر البعثة المحمدية في التكامل الفكري والرشد العقلي حدًا أصبح معه صالحًا لأن يحافظ على المواريث الأنبياء العلمية والدينية ويصونها من خطر الحوادث، وأن يكون نفسه مبلِّغًا لتلك القيم والمفاهيم المقدسة، فقد وصل في هذا المجال إلى درجة الاكتفاء الذاتي، ولهذا لم تبقَ حاجة بعد هذا إلى إرسال الرسل ( [1] ) ـ جعل الله تعالى منهجه معجزة، ومعجزته منهجا، فكان هذا القرآن الكريم الذي إندمج فيه المنهج بالمعجزة، بحيث يبقى يتحدى الناس جيلا بعد جيل على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة من مثله إلى قيام الساعة.
ولما علم الله تعالى أن البشر غير قادرين على حفظ مناهج الأنبياء قبل نبينا محمد r ، فتكفل الله تعالى بحفظ المنهج لئلا تطاله الأيدي بالعبث والتحريف، لأنه ليس بعد نبينا r نبي يصحح ولا بعد منهجه منهج. فمنهجه وشريعته خاتمة الشرائع السماوية. فقال تعالى: ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ [الحجر/9] .
ومن الطبيعي عندما يتولى الله تعالى حفظ كتابه، أن يهيأ لذلك أسبابا ومسببات، لأننا نعيش في عالم الأسباب، فكان صحابة نبيه r هم تلك الأسباب الذين بهم حفظ كتابه، بعد أن تلقوها من نبيهم الأكرم r حفظا في الصدور وكتابة فيما توفرت لهم من أدوات الكتابة، ثم تناقلت الأمة هذا القرآن المجموع بين الدفتين جيلا بعد جيل، إلى يومنا هذا، بحيث لا تستطيع البشرية الآن أن تغير حركة حرف واحد منه، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. فهو القرآن نفسه الذي يتلوه أهل المشرق والمغرب، ليس فيه إختلاف لا في حرف، ولا في كلمة. وكلما تقدم الزمن، وتطور العلم فاستجدت وسائل جديدة لحفظ هذا القرآن تحقيقا للوعد الإلهي: ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ [الحجر/9] .