إذن لا بد لصاحب الشبهة - إن كان مسلمًا - أن يعترف أن الكتابة ليست شرطًا في الحُجِّيَةِ، وإلاّ لأنزل الله تعالى القرآن مكتوبا. ولو كانت الحفظة ليسوا ثقاة عادلين فإن إنزال القرآن كتابة أيضا لا ينفع في الحفظ والصيانة كما لم ينفع مع التوراة، إذ المعلوم أنها نزلت مكتوبة في الألواح، ولكن بني إسرائيل لم يصونوها.
المبحث الثاني
المسلمون بين سنة النبي وعترته
إن إتفاق السنة مع الشيعة في كون السنة النبوية الشريفة مصدرا ثانيا للتشريع بعد القرآن الكريم لم يحل الإشكال الوارد بينهما في تحديد المراد من السنة النبوية الشريفة.
فالسنة النبوية عند أهل السنة ينحصر في أقوال وأفعال وتقريرات النبي r المنقولة إليهم عن طريق الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومصطلح الصحابة عندهم يشمل إضافة إلى أصحابه الذين عاشوا معه، أزواجه وأهل بيته الذين عاصروه وعاشوا معه.
ولقد دعا النبي r أصحابه إلى حفظ ونقل ما يسمعون منه، فقال: ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها. فرب حامل فقه غير فقيه. ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) ( [15] ) .
وقد إقتضت حكمة الله تعالى أن يهيئ للأمة الإسلامية من أئمة الحديث جهابذة نقاد لمعرفة صحيح السنة من سقيمها، كل ذلك لحفظ سنة نبيه r بعد أن تكفل الله تعالى بحفظ كتابه الكريم، لأنها مكملة ومبينة وشارحة ومفصلة لما أجمله القرآن.
روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله r: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلاَ وَأَنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ r كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ» .