فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 317

وبعبارة أخرى فإن من السُّنَن الحتمية والأصول الإلهية المسلّمة التي لا تجد لها تبديلًا في عالم الكون، العالم الذي تتجه جميع أجزائه نحو الرقيّ والتكامل، وتتحرك موجوداتُه باستمرار نحو الكمال، أنه عندما ينتقل موجودٌ من عالم إلى عالم آخر فإنه لا يعود إلى العالم الأوليّ لأنه يكون قد استوفى جميع مزايا العالم الأول، وكل ما كان يملكه بالقوة من خصوصيات ذلك العالم وصل إلى المرحلة الفعلية، ومن البديهيّ أن العودة إلى العالم السابق يستلزم الخروج من الفعلية إلى القوة وهو أمرٌ محالٌ بداهةً، فمثلًا عندما ينتقل الإنسان بعد طيّه الأطوار الابتدائية لخلقته إلى عالم الإنسانية، وتتحقق فيه جميع مزايا الإنسان، لا يمكننا أبدًا أن نتصوّر أنه يعود إلى عالم الحيوان المنويّ وسائر العوالم السابقة، وكذلك عندما ينطلق من هذا العالم الفاني نحو عالم روحانيٍّ أرقى وأوسع، فمن غير الممكن أن يعود من جديد إلى حفرة الحياة الدنيوية، لأنه عندما انتقل إلى العالم الجديد فإنه كان قد استوفى جميع المراحل الطبيعية للعالم الأول واستفاد من كل ما كان متناسبًا مع أهليته واستعداده وقام ببذر كل بذرة بالتناسب مع أهليته ولياقته، وفي النهاية فإنه طوى تلك المراحل بالطريقة والأعمال التي أرادها، وانتقل إلى آخر مرحلة من مراحل السفر وإلى منزل الثبات الأبدي، وهو المنزل الذي يحصده من البذور التي زرعها في منزله المؤقت في الحياة الدنيا، وقد حان الوقت الآن لظهور آثارها وبروز نتيجتها، ولم يعد يوجدُ هنا مكانٌ للنقص والحركة ولا مكانٌ للعمل والسعي والكدّ للوصول للمطلوب بل هو مكانٌ للكمال والفعلية، مكانٌ لم يَعُد فيه لأي شخص حالةُ انتظار بل هو محلٌّ وصلت فيه جميع القوى إلى فعليتها وجميع الحركات إلى السكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت