فهرس الكتاب
نعم، هؤلاء هم أنفسهم الذين كانوا من قبل الجهلاءُ الذين يقتلون أولادهم خشية الفقر والجوع ويئدون بناتهم حيَّاتٍ خشية الفضيحة، ويبيعون النساء كما يبيعون الأنعام ويأكلون حقوق بعضهم البعض بلا حياءٍ اتباعًا لشهواتهم وغرورهم، والذين لم يكن لهم من العلم سوى خيالات أسطورية وحفظ الأنساب، وباختصار كانوا أمَّةً خارج حدود الاعتدال لا علم لهم بآداب الإنسانية مبتلين بآلاف المفاسد الأخلاقية والاجتماعية، فتخلصوا بفضل نور تعاليم الإسلام في مدّة قليلة من كل تلك المصائب والنكبات وصلُحت مفاسدهم وخَلُصوا من ورطات الانحطاط والذل، وأفلحوا في مقام الفضائل الأخلاقية، وبدلًا من الظلم السائد فيهم أصبحت العدالة حاكمة في جميع شؤون حياتهم على نحو أصبحوا يشعرون فيه بالمسؤولية أمام الله تعالى الحَكَمِ العَدْل، وأصبحوا يراعون حدود ومصالح بعضهم البعض ويحترمون شؤون بعضهم وأعراض بعضهم مشتركين في أفراح وأتراح بعضهم ومتعاونين في العسر واليسر، فخرجوا من حدود الإفراط والتفريط وأصبحوا معتدلين في جميع شؤون حياتهم، وقوي فيهم حسّ طلب الحقيقة وأحبُّوا العلم إلى درجة جعلتهم يسعون رغم قلَّة الوسائل إلى ترجمة وتكميل علوم الأمم السابقة وفلسفتها، وفي النهاية أصبحت -بمساعيهم- جميع البلدان التي خضعت لنفوذهم مثل: تركستان وإيران والأندلس، مراكز للعلم والمعرفة.