فهرس الكتاب
ويصل القرآن في تعظيمه لشأن «العلم» إلى حدِّ أنه لدى تحريمه للشرك بالله -الذي يُعْتَبَرُ القضاءُ عليه أهمَّ أهداف الإسلام وأوَّلَ مقاصده- يلحظ أهمية العلم فيعتبر الشركَ قرينًا لفقدان العلم فيقول: { وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا... } [العنكبوت:8] .
ففي هذه الآية وصّى الله تعالى الإنسان أن لا يقصِّر في شيء من الإحسان تجاه والديه وأن يتَّبع أمرهما على الدوام، إلا إذا أمراه أن يشرك بالله شيئًا لا «علم» له به ولا دليل عنده عليه فعندئذٍ لا يجوز له إطاعتهما.
كما أنه في موضع آخر يقرن النهي عن الشرك بفقدان البرهان عليه فيقول: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } [الأعراف:33] ، فكما نلاحظ يأمر الله تعالى صاحب مقام ختم النبوة أن يقول للمشركين إن ربي حرّم أن يُشرَك به شيئًا لا دليل عليه ولا سلطان أي لا برهان عليه! وفي الواقع إنه يريد أن يقول إن الشرك بالله وعبادة الأصنام إنما حُرّمت لأنه لا برهان على صحتها ولا دليل عليها!
فانظر أيها القارئ العزيز! إلى أي حدّ اعتنى الإسلام بالعلم والبرهان، فمع أن الشرك في نظره وفي حقيقة الواقع بديهي البطلان ولا يحتاج أن يُقرن بأي وجه من الوجوه بأن لا علم به أو لا برهان عليه، لكنه مع ذلك قيَّد النهيَ عنه والمنعَ منه في تلك الآيات بفقدان العلم والبرهان!