فهرس الكتاب
أجل إن تلك الآيات في الوقت الذي تشعرنا فيه بأهمية العلم والبرهان وكمال عظمتهما فإنها تريد أيضًا أن تفهمنا أن منشأ الإيمان والاعتقاد يجب أن يكون العلم والبرهان! وأنه من دون إرشاد هذين الدليلين والمرشدين القويين لا يجوز لأحد أن يُدْخِلَ إلى أعماق قلبه عقيدةً، فلا يجوز للإنسان أن يجعل خَلْوَةَ قلبه مَحطًّا لكل عقيدة بمجرد التقليد الأعمى. كما نجد ذلك المعنى خلال محاجَّة إبراهيم لقومه، حيث ينقل القرآنُ لنا على لسان إبراهيم مذمَّته الشديدة للكفار لأنهم يجعلون لِلَّهِ شريكًا دون أن يمتلكوا أي برهان على ذلك فيقول:
{ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [الأنعام:81] ، وفي موضع آخر يقيِّد وعيده للمشركين - خلال تخويفه لهم - بقيد فقدانهم للبرهان على ما يذهبون إليه فيقول: { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } [المؤمنون:117] .
هذا مع أننا نعلم أن الكفار لا برهان لهم على مقولاتهم، ورغم ذلك ولأجل تعظيم مقام البرهان فقط يقول: لما كان المشركون فاقدين للبرهان لا ينبغي أن يأملوا بالنجاة والفلاح وليس هذا إلا لبيان تعظيم مقام البرهان وإفهامنا أنه في الأمور الاعتقادية لا بد أن نستند إلى الدليل والبرهان.
إن هذا الاحترام للبرهان والعناية به وإن كان عجيبًا في حدّ ذاته إلا أنه ليس غريبًا على دين الإسلام لأن الإسلام أساسًا دين البرهان والحجة.
الإسلام دين البرهان والحجَّة!