الصفحة 147 من 197

من ذلك حديث المرأة التي زنت فجاءت النّبيّ r مقرّة بذنبها, سائلة للنّبيّ r أن يقيم الحدّ عليها, فجعل رسول الله r يستثبت في ذلك, فقالت: يا رسول! إنّي حبلى به, فأمر أن تُمهل حتّى تضع, فلمّا وضعت جاءت بالمولود وقالت: يا رسول الله هو هذا قد ولدته, فقال: ( أرضعيه حتّى يتمّ رضاعه) , فأرضعته حتّى أتمّت مدة الرّضاع, ثمّ جاءت به في يده كسرة من خبز, فقالت: يا رسول الله! هو هذا يأكل الخبز, فأمر بها فرجمت. رواه الحافظ ابن كثير في (إرشاده) .

فانظر إلى عزم هذه الصّحابية - رضي الله عنها- على أصعب قتلة على النّفوس, وأوجع ميتة للقلوب, وبقاء عزمها على ذلك هذه المدّة الطّويلة, ومطالبتها في ذلك غير مكرهة ولا متوانية, وهذا - أيضًا- وهي من النّساء الموصوفات بنقصان العقول والأديان, فكيف برجالهم رضي الله عنهم!؟.

ومن ذلك حديث الرّجل الذي أتى إلى النّبيّ r فأخبره أنّه سرق, فأمر بقطع يده, فلما قطعت قال: الحمد لله الذي خلّصني منك, أردت أن تدخليني النّار, أو كما قال.

وحديث المجامع في رمضان.

وحديث ماعز بطوله.

وحديث الذي قال: إنّي أتيت امرأة فلم أترك شيئًا مما يفعله الرّجال بالنّساء إلا أتيته, إلا أنّي لم أجامعها؛ وغير ذلك مما لا يحضرني الآن الإشارة إليه.

فأخبرني على الإنصاف: من في زماننا, وقبل زماننا من أهل الدّيانة قد سار إلى الموت نشيطًا, وأتى إلى ولاة الأمر مقرًّا بذنبه, مشتاقًا إلى لقاء ربّه, باذلًا في مرضاة الله لروحه, ممكّنًا للولاة والقضاة من الحكم بقتله؟

وهذه الأشياء تنبّه الغافل, وتقوّي بصيرة العاقل, وإلا ففي قوله تعالى: { كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] . كفاية وغنية, مع ما عضدها من شهادة المصطفى - عليه السلام - بأنهم خير القرون, وبأنّ غيرهم لو أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه, إلى أمثال ذلك من مناقبهم الشّريفة ومراتبهم المنيفة) ( [121] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت