الصفحة 146 من 197

ومتى سلّم له أنّ العدالة هي: ترك جميع الذّنوب؛ فالسؤال واقع, ولكن هذا ممنوع بدليل القرآن والأثر والنّظر والنّقل. أما القرآن: فما حكى الله تعالى عن ذنوب أنبيائه وأوليائه, ونزع الغلّ من صدور أهل الجنّة, مع أنّ شهادة ذي الغلّ لا تقبل, وذكر ذلك على التفصيل يطول. . وأمّا السّنّة؛ ففي ذلك آثار كثيرة, نذكر منها: ... الأثر الرّابع: وهو أثر صحيح, ثابت في دواوين الإسلام, بل معلوم, متواتر النّقل, وهو حجّة قويّة, وذلك: أنّ رسول الله r أرسل إلى اليمن عليًّا ومعاذًا -رضي الله عنهما-, واليين قاضيين ومفتيين, ولا شكّ أنّ القضاء بين النّاس, متركّب على عدالة الشّهود, ومعرفة الحاكم عدالتهم أو عدالة معدّليهم, وهما غريبان في أرض اليمن, لا يعرفان عدالتهم, ولا يخبران أحوالهم, وهم لا يجدون شهودًا على ما يجري بينهم من الخصومات إلا منهم, فلولا أنّ الظّاهر العدالة في أهل الإسلام ذلك الزّمان؛ وإلا لما كان إلى حكمهما بين أهل اليمن على الإطلاق سبيل. وهذا يدلّ على عدالة أهل الإسلام ذلك الزمان, لا على عدالة من صحب النّبيّ r دون غيره, وهذا أوسع من مذهب المحدّثين. . ثم نقل عن الإمام الشافعي أنه قال: لو كان العدل من لا ذنب له لم نجد عدلًا, ولو كان كلّ مذنب عدلًا لم نجد مجروحًا, ولكنّ العدل من اجتنب الكبائر, وكانت محاسنه أكثر من مساويه.) ( [120] )

وهذا كان حال الصحابة، فإنّ من وقع منهم في شيء من المعاصي فإنه سرعان ما يتوب منها ويستغفر ربه.

يضيف إبن الوزير قائلا:

( لكنّا نظرنا في حالهم ـ أي الصحابة ـ فوجدناهم فعلوا ما لا يفعله المتأخرون إلا أهل الورع الشّحيح, والخوف العظيم, ومن يُضرب بصلاحه المثل, ويتقرّب بحبه إلى الله عزّ وجلّ, وذلك أنّهم بذلوا أرواحهم في مرضاة ربّ العالمين, وليس يفعل هذا إلا من يحقّ له منصب الإمامة في أهل التّقوى واليقين, وذلك كثير في أخبارهم, مشهور الوقوع في زمانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت