فهرس الكتاب
إن حقوقَ المخلوقين لا تُقاس على حقوق الله تعالى، لأنَّه يُعتبر فيها مِن قوة الظن ما لا يُعتبر في حقوق الله تعالى، ولهذا لا يُعتبر في الإخبار عن رسول الله r إلا خبر واحد، ويجب في حقوق المخلوقين اعتبارُ شاهِدَيْنِ، وفي بعضها أربعة شهود، وفي بعضها شاهدٌ ويمينٌ، وفي بعضِها اليمينُ مع الخبر، ولا يُقبل فيها العَدُوُّ على عدوه، ولا شهادةُ الأبِ لولده عند بعضِ العلماء، وكم بينَ حقوقِ الله تعالى وحقوقِ المخلوقين من الفروق الواضحة) ( [167] ) .
ولتوضيح هذا الأمر أكثر نقول:
لقد إشترط الله تعالى في الوصية التي هي حق المخلوقين، شهادة رجلين عدلين، فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } [المائدة: 106] . فلو كانت العدالة وحدها كافية في الشهادة، لأكتفى بشاهد عدل واحد، فدل هذا على أن إثبات حقوق المخلوقين لا تقوم على مجرد عدالة الشاهد، بل الإنسان يعتريه النسيان، أو الخطأ، أو الوهم، أو غير ذلك من الأمور، فلذلك تطلب الأمر عند عدم وجود قرائن أخرى غير الشهادة، أن تكون وسيلة إثبات الحقوق بين المخلوقين، قائمة على شهادة رجلين عدلين.
يوضحه أكثر: قوله تعالى: { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } [البقرة: 282] . ففي هذه الآية تصريح أكثر على أن الشهادة لا تنبني على عدالة الشاهد فقط، وإنما لأمور أخرى منها كما صرح بها قول الحق تبارك وتعالى: { أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } ، والضلالة في هذه الآية تعني «النسيان» بقرينة قوله «فتذكر» ( [168] ) .