فهرس الكتاب
ثمّ تضيف الآية أن اتّحاد تلك القلوب، أو إيجاد تلك الألفة، لم يكن بوسائل مألوفة أو مادية { لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } .
إنّ الذين يعرفون حالة نفوس المتعصبين والحاقدين، كأُولئك الذين كانوا في العصر الجاهلي، يعرفون كذلك أن تلك الأحقاد والضغائن لم يكن بالإِمكان إزالتها، لا بالمال ولا بالجاه والمقام، لأنّها كانت لا تزول عندهم إلاّ بالإِنتقام الذي يتكرر بصورة متسلسلة فيما بينهم، وفي كل مرّة يكون في صورة أبشع وأكثر وحشية وإجرامًا، والأمر الوحيد الذي أمكن بسببه قلع تلك الجذور الفاسدة من أصولها، هو إحداث ثورة عارمة وتغيير شامل في الأفكار والأرواح والعقائد، ثورة تصنع تحوّلًا في شخصياتهم وتبدل أساليب تفكيرهم، وترفعهم عن الحضيض الذي كانوا فيه، لتتجلى لهم أعمالهم السابقة في وجهها الكالح القبيح، فيطهروا بذلك أنفسهم، ويدرأوا عنها الأحقاد والأوساخ والعصبية القبلية العمياء. وهذه أُمور لا يمكن إيجادها بالثروة ولا بالمال، بل في ظلال الإِيمان والتوحيد الخالص فحسب) ( [75] ) .
فهل نحتاج إلى شهادة أحد بعد شهادة الله تعالى بأن الذين صحبوا النبي لاسيما السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار صاروا مؤمنين متحابين، بعد أن كانوا في ضلال مبين؟!
وهل يصح بعد شهادة هؤلاء المفسرين الشيعة أن يأتي من يتهم أصحاب النبي r بأنهم ما كانوا مؤمنين، أو كان إيمانهم نفاقا؟ ولو كانوا كذلك ـ حاشاهم ـ فلماذا يمتن الله تعالى مرة على نبيه r بأن أيّده بهؤلاء المؤمنين وألف بين قلوبهم، ومرة يمتن على المؤمنين بأن هداهم الله تعالى بمحمد r للإيمان والإسلام بعد الكفر والضلال؟
المبحث الثاني
لا نفاق في مكة