الصفحة 88 من 197

كان النبي r بمكة وحيدا فريدا، ومن معه في ذلة وقلة، وكان المشركون فيها يلاحقون تحركات النبي r، ويرصدونها بدقة، ويتهددون، بل ويعذِّبون كل من يدخل في هذا الدين الجديد، ويخيفون كل من يحتمل دخولهم فيه. ولاسيما بعد وفاة عم النبي ( أبو طالب ) الذي كان له سندا قويا في مجال حرية الدعوة، فإن الأمور قد تطورت بشكل مخيف، فزاد الأذى على المسلمين وعظمت البلوى عليهم. ولقد صمد أولئك الذين أسلموا سنوات طويلة في مواجهة التعذيب والظلم والاضطهاد، حتى لقد فر قسم منهم بدينه إلى بلاد الغربة، فهاجر نفر منهم إلى الحبشة، وبقي الباقون يواجهون محاولات فتنتهم عن دينهم، بمختلف وسائل القهر، وإذا استثنينا أشخاصًا معدودين، كحمزة بن عبدالمطلب، وبعض من كانت لهم عشائر تمنعهم، فإن بقية المسلمين كانوا غالبًا من ضعفاء الناس، الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يجدون سبيلًا إلا الصبر، وتحمل الأذى.

ففي مثل هذه الظروف العصيبة هل يتصور إنسان عاقل أن يكون من بين أولئك المسلمين من أسلم نفاقا؟

لماذا ينافق؟ وعلى ماذا ينافق؟

إن الإنسان العاقل ـ ولا أقول المسلم ـ إذا تجرد عن الهوى والعصبية العمياء، لا يمكن أن يتخيل وجود منافق واحد بين أولئك المسلمين الذين آمنوا دون رغبة أو رهبة. آمنوا وهم يعلمون أن مصيرهم يدور بين القتل والتعذيب. آمنوا من دون سيف سُلّط على رقابهم. آمنوا ولم يكن الرسول r يستطيع حمايتهم. ولا أعطاهم شيئا من متاع الدنيا.

ومما هو معلوم بصريح العقل وصحيح النقل، أن النبي r في مكة لم يكن صاحب جاه أو سلطة، ولا كان له ثروة يعطيها لمن كان يؤمن به، فالذي يؤمن نفاقا، إما أن يكون خائفا من سطوة النبي r بحيث إن لم يؤمن خاف على نفسه التهديد والقتل، أو أن يكون إيمانه طمعا في سلطة أو جاه أو ثروة؛ وكلا الأمرين كان منتفيا في مكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت