الصفحة 89 من 197

الذي يقرأ القرآن الكريم بإمعان يجد أن جميع الآيات التي إشتملت على ذكر المنافقين أو الذين في قلوبهم مرض هي آيات مدنية، أي إنها نزلت بعد هجرة النبي r إلى المدينة المنورة؛ ( لأنّ مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه من الناس من كان يظهر الكفر مستكرهًا وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم وكانوا ثلاث قبائل بنو قينقاع حلفاء الخزرج وبنو النضير حلفاء الأوس وبنو قريظة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج وقلّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام رضي الله عنه ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تُخاف، بل قد كان r وادع اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر وأظهر الله كلمته وأعز الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبي بن سلول وكان رأسًا في المدينة وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملّكوه عليهم فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر الله قد توجه، فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته وآخرون من أهل الكتاب فمن ثم وُجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد نافق لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرهًا بل يهاجر فيترك ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة) ( [76] ) فلم يظهر المنافقون على مسرح الأحداث إلاّ بعد أن قوي المسلمون وصارت لهم شوكة وأصبحت لديهم دولة وقوة ومنعة؛ بحيث وجد من يخاف منهم إما على كفره، وإما على مصالحه الدنيوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت