فهرس الكتاب
فانظرْ كمْ في هذا من بيان على صحة ما قلنا؛ فهذا العباس، وهذا علي، وهؤلاء الصحابة، فلو كان النبي r قد نص لما جاز أن يذهب علمه عنهم، أو لو قال قولا يحتمل تأويله هذا المعنى لما ذهب عنهم، فإن البحث والنظر والخوض يخرج خفيات الأمور ويذكر بغوامضها وبما قد تقدم عهده وزمانه، فكيف بالشيء الواضح القريب العهد، ورسول الله r حي بينهم، فكيف لم يقل علي للعباس: يا عم، أما تعلم أن رسول الله r قد نص عليّ وجعلني حجة على العالم واستخلفني وولديّ على أمته إلى يوم القيامة، وكيف نسيت مع قرب العهد، أو ليس قد قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ، و « أنت مني بمنزلة هرون من موسى» ، وهذا نص واستخلاف. فإن كان أمير المؤمنين علي t نسي أن النبي r استخلفه كما نسي العباس فكيف لم يذكرهما الصحابة وهم يسمعون ما يجري، وهذا لا يخفى على متأمل، فقد وجدت رحمك الله عليًا والعباس والصحابة قد أطبقوا على أن رسول الله r ما نص ولا استخلف رجلا بعينه، ولا قال قولا قصد به هذا المعنى.
فان قيل: ومن سلم لكم أن هذا قد جرى بين علي والعباس رضي الله عنهما؟ قيل له: إن هذا كالذي جرى في السقيفة وفي الشورى، لا يرتاب بذلك أهل العلم، والعجب أنكم تقولون أن النبي r قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» وتنكرون مثل هذا وهو أصح، والعلم به أقوى، وما زال ولد العباس وولد علي من قديم الدهر يتذاكرون هذا الذي جرى من آبائهما في أنهما أصوب رأيا، ويخوض أهل العلم في ذلك، كالشعبيّ وعبد الرزاق، وإنما يذهب مثل هذا على معاند أو من لا نصيب له في العلم.
المبحث الثاني
صلاة أبي بكر t بالمسلمين في مرض النبيr
قال قاضي القضاة:
( وفي هذا الباب، أن النبي r لما مرض جزع أصحابه لمرضه، فكانوا معه وحوله ومسجده بهم مثل الرمانة، وعنده في بيته أزواجه وعماته وبناته، فكان إذا وجد خفّا خرج فصلى بهم، فاشتد به يوما مرضه فقالوا: