الصفحة 117 من 183

ولم يكن لقائل أن يقول: فلم لا عرّف اللّه موسى الحال قبل مصيره إلى أخيه فكان لا يحتاج أن يجر برأس أخيه ويعاتبه ذلك العتاب، ولم لا عرّفه وجه الصواب في خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، فكان لا يحتاج إلى أن يلقى العبد الصالح الذي كان يتعلم منه بذلك الجفاء ثم يعتذر إليه بأنه نسي. ولم لا عرّف سليمان u حال المرأة الملكة، ولم لا أغناه عن تعريف الهدهد ومساءلته وطول مراجعته؟ ولكن من وضع هذا غرضه ما قدمنا، وعنده أن أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم وأشباههم من المهاجرين والأنصار، ما صحبوا رسول اللّه r للإعلام التي كانت معه، ولا لبصيرة في دينه، وما اعتقدوا قط نبوته ولا صدقه، ولا انطووا على تعظيمه وإجلاله، ولا عرفوا له قدرا ولا أقاموا له وزنا، وإنما كانوا يراؤونه ويرائيهم، وينافقونه وينافقهم، وإنما كان غرضهم الدنيا والعاجلة، وكانوا يتربصون به وينتظرون موته ليكونوا ملوكا بعده، وأنهم قد اغتصبوا مصلاه ومقامه في حياته وفي جوف بيته، ونحّوا خليفته ووصيّه في حياته وبعد موته، وضربوا بنته وقتلوا جنينها في بطنها.

وقد علمت رحمك اللّه على أي وجه كانت إجابتهم لرسول اللّه r ومتى أجابوه وما لقوه في إجابته، وقد علمت بما تقدم لك في دلائل العقول أنهم قد اعتقدوا نبوته وصدقه، وأن المتأمل يعلم ذلك قبل العلم بنبوته، ويعلم أنه كان يحبهم، وأنه قد فرض موالاتهم ومحبتهم كما فرض بغض أولئك الذين قدمنا ذكرهم، وعلمنا أنه لم يكن له حرص في الإمارة إلا بمقدار القيام بحدود اللّه، وأن كل واحد منهم قد تمنع وود أن غيره قد كفاه، فقد امتنع أبو بكر منها واجتهد أن يكون في غيره فأكرهوه عليها، ولم يكن لعمر فيها رغبة ولا منه لها طلب فاختاره أبو بكر وأدخله فيها، وعاتبه طلحة وغيره على ذلك وقالوا له: عمر رجل مهيب فاستعمل علينا أحمد طريقة في حسن الخلق منه، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت