الصفحة 34 من 183

وهذه نزلت في غزوة الأحزاب وفي الخندق، وقد تحزبت العرب واليهود عليهم، وغدر من حول المدينة بهم وهم في حومة الموت وشدة الخوف، وما كان بأيديهم إلا المدينة مع من بها من اليهود والمنافقين، فأظهر اللّه أصحاب رسول اللّه r واستخلفهم ومكّن لهم وبدّلهم من بعد خوفهم أمنا، وعبدوه وحده وأطاعوه، وفي هذا غيوب كثيرة لا تكون بالاتفاق ولا لحذاق المنجمين، ولا هو مما يغلب في العقل بل الغالب في العقل والظاهر في الحزم والتدبير أن يكونوا هم المغلوبون المقهورون، إلا أن يكونوا من قبل اللّه، وأن يكون صاحبهم رسولا للّه، والذي يدلك على أن هذا نزل وهم غير متمكنين وأنهم قد كانوا خائفين من قوله عز وجل: ? وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا? فلا يجوز أن يخبرهم بما لم يكونوا عليه ويمتن عليهم بذلك والعدو والولي يسمعه وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم ثم يؤكد هذا بأن يقول: هذا قول اللّه لكم، ووعد اللّه لا وعدي، وبشارة اللّه لا بشارتي، وفي هذا دلالة على صحة الخلفاء من بعده، ألا تسمعه يقول: ? وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ? ولو قال: الذين آمنوا لكانت عدة تحتمل التسويف والتأويل، فلما قال: ? منكم? جعلها فيهم ولهم ومنهم، فزالت الشكوك وارتفع اللبس، ولو كان الأمر على ما يقول الإمامية لكانت هذه الأخبار قد كذبت وهذه المواعيد قد أخلفت لأنهم زعموا أن المستخلف كان علي بن أبي طالب، وأنه ما كان متمكنًا ولا آمنًا بل كان مقهورا مغلوبا خائفا، فأين تصديق ما وعد اللّه، فنعوذ باللّه من الذهاب عن الحق) ( [38] ) .

فهل هذه الأوصاف ? وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ? تنطبق على أئمة الشيعة الذين عاشوا في تقية وخوف حتى وهم على رأس السلطة، كما حدث مع سيدنا علي t والذي قال في حقه علماء الشيعة ما لم يقله أعداؤه من الذين حاربوه وحاربهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت