الصفحة 41 من 183

ومما يزيدك بيانًا، أن النبي r قد نصّ على أشياء، فلما قبض ارتدت العرب عن ذلك بألوان الردة، فادعى مسيلمة النبوة في ربيعة بأرض اليمامة وادعى مثل ذلك طليحة في بني أسد، ورجعت قبائل كثيرة من فزارة وقضاعة وغيرهم ممن هو معلوم عن الشريعة كلها، واستثقلوا ما حرّم عليهم من الخمر والزنا والربا والسرقة والغارة وغير ذلك، وارتد من بالبحرين وبنو يربوع وغيرهم لمنع الزكاة، وقالوا لأبي بكر: نشهد الشهادتين، ونقيم الصلاة، ونجاهد معك العدو؛ فإن أبيت ذلك لحقنا بالعدو وحاربناك.

وأقام أبو بكر والمهاجرون والأنصار على الإسلام، وجاهدوا المرتدين كلهم، فحصل العلم بذلك عند كل من سمع الأخبار. فلو كان لما ادعاه هؤلاء القوم أدنى إشارة، لكان العلم بذلك مثل العلم بهذه الأمور، بل قد كان ينبغي أن يكون أقوى واقهر، وإنما هذا شيء ادعاه أبو كامل وهشام بن الحكم بعد انقراض الصحابة، والتابعين وتابعي التابعين، وتابعي تابعي التابعين.

وعلى أن قوله عليه السلام: «أنت مني بمنزلة هرون من موسى» ، «ومن كنت مولاه فعلي مولاه» ، وما أشبه ذلك مما يجعلونه حجة في دعاويهم، ليس من ألفاظ النصوص والاستخلاف والوصايا في لغة ولا في عقل ولا في شريعة، وإنما هي فضائل ادخلها هؤلاء في هذه الدعاوي، وانه أمر لا تقوم به حجة، ولا يجدون فيه حيلة، فلجئوا إلى التعلق بهذه الفضائل، وقالوا: هي نصوص، فلو لم يدلك على فساد قولهم إلا تعلقهم بهذه الأشياء لكفاك وأغناك.

وقد رفع اللّه قدر رسول اللّه r أن تكون نصوصه ووصاياه بمثل هذه الألفاظ؛ يزيدك بيانا انه u قد نص على خلق كثير بالولاية والإمارة، فقال في غزاة مؤتة للجيش الذي أنفذه: أميركم زيد بن حارثة، فإن هلك فجعفر بن أبي طالب، فان هلك فعبد اللّه بن رواحة. ومثل ذلك في الأمراء ولعلهم نحو ألف أمير، ما فيه نص بهذه الألفاظ التي يدعونها هؤلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت