فهرس الكتاب
فانظر إلى طول هذه المراجعة بين المهاجرين والأنصار وهم يطلبون ويفتشون ما يجوز في دين رسول اللّه r، ويرجعون إلى أفعاله ووصاياه، ويبتغون مرضاته، هل تجد أحدا منهم يذكر عن رسول اللّه r نصا على رجل بعينه أو ما يشبه النصّ أو ما تأويله النص من كتاب اللّه أو من حديث عن رسول اللّه r، والعهد قريب وهو يوم موته، ولم يدفن بعد، وهذا موضع الحاجة إلى ذكر ذلك؛ والمناظرة والمباحثة تذكّر بالأمور البعيدة وتخرج الغوامض فكيف بالأمر الواضح مع العهد القريب؟ وما أراد الأنصار بالبدار إلى إقامة أمير يكون على الناس إلا اللّه، وإلا إحياء الإسلام وقمع أعداء رسول اللّه r، لينضبط الأمر ولا ينشر ( [50] ) ؛ فقد كان معهم وحولهم اليهود وقبائل العرب من النصارى، وقد كانوا راسلوا ملوك الروم وأطمعوهم في الإسلام، ومسيلمة مقيم على حربهم وكذا طليحة، وقد ارتد من ارتدّ، فكان الصواب في المبادرة إلى إقامة أمير، فلما قيل لهم: إن رسول اللّه r قد قال: الأئمة من قريش سمعوا وأطاعوا، وقصدوا إلى أفضل قريش في أنفسهم فعقدوا له وقاتلوا بين يديه كما كانوا يقاتلون بين يدي رسول اللّه، وتفانوا في طاعته؛ ولو أرادوا الملك والدنيا لما أطاعهم المهاجرون ولا غيرهم، فإن البلاد بلادهم، والبادية باديتهم، والبأس والنجدة والكثرة لهم وفيهم، وإنما المهاجرون ضيفانهم ونزال عليهم، وبهم عزّوا، وبهم صار رسول اللّه صلّى r في عساكر وجماعات، وبهم غزا العدو وقد كان r وهو مقيم بمكة منذ دعا إلى النبوة خمسة عشر سنة يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، ويتلو القرآن، ويدعو إلى اللّه؛ فسمعته قبائل الأوس والخزرج، وأصغوا إلى دعوته، وأجابوه إلى معاداة ملوك الأمم وجبابرة الأرض في طاعته، وأن ينفقوا أموالهم، ويسفكوا دماءهم في نصرة دينه، وأن يطيعوه حيا وميتا.