فهرس الكتاب
فلما أجابوه إلى ذلك، أمر أصحابه بالهجرة إليهم، فقبلوهم وأظهروا الإسلام في المدينة وفي قبائلهم وبواديهم، فهاجروا إليهم فوفوا بجميع ذلك، وكان باطنهم في الإيمان كظاهرهم، فلهذا أسماهم اللّه الأنصار وكذا المهاجرون، ولهذا قال اللّه: ? لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ? فأخبر عزّ وجل عن صحة نياتهم وصدق ضمائرهم، وشهد لهم بالصدق، ثم ذكر الأنصار وقال: ? وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ?، لأن الأنصار كانوا بالمدينة قبل المهاجرين، فلما جاءهم المهاجرون أحباب رسول اللّه r آثروهم على أنفسهم بمنازلهم، وشاطروهم أموالهم بطيب من أنفسهم، فشهد لهم بالفلاح، وفرض على من جاء من بعدهم مولاتهم والاستغفار لهم فقال: ? وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ? (الحشر: 10) ، وأمرهم بالتعوذ من بغضهم وعداوتهم، فهؤلاء الذين قاموا بدين رسول اللّه r بعده، وهم الذين اختاروا أبا بكر، والقرآن مملوء بمدحهم والثناء عليهم، وأنت تحفظه؛ فارجع إلى ما في سورة بعد سورة من ذلك وتدبره، فذكر جميعه يطول ولا يحتمله هذا الموضع.