الصفحة 71 من 183

قد وجدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t مكاشفا بالحق في جميع أحواله، لا يخاف من احد من المخلوقين وان كان وحده والناس عليه؛ فإن رسول اللّه r خلّفه بمكة وهي إذ ذاك دار كفر فما خافهم ولا فارقهم مع وحدته وتفرده، وقد كاشف معاوية وهو في مائة ألف سيف، ولعنه بلسانه، وقنت عليه في صلاته، وضربه بسيفه، وبيّن له وإن علم انه لا يقبل، وقد كاشف الخوارج وبريء منهم وان علم أنهم لا يقبلون وهم كانوا أصحابه وبهم صال على عدوه واستطال، وأقام على مخالفتهم وإن فرقوا عنه أصحابه وإن قتلوه، فما قاربهم في كلمة، لأنهم قالوا له: إن تُبْتَ من الحكومة رجعنا لك كما كنّا وقاتلنا عدوك، وإن أبيت أقمنا على حربك وقاتلناك حتى نقتلك أو تقتلنا، فقال لهم: انتم دعوتموني إلى الحكومة، قالوا: صدقت فقد تبنا وما كان لنا أن ندعوك وما كان لك أن تجيبنا ولا تحكم الرجال في دين اللّه، فقال: بل كان لي أن احكم، فلو كان ذلك معصية لما أجبتكم إليه، ومن زعم أن الحكومة ضلال فهو أضل، ومن زعم أني ارجع عنها فقد كذب. فصبر t على ذلك ولم يقاربهم في لفظة تحتمل التأويل، لأنه لو قال أنا تائب إلى اللّه من كل ذنب وخطيئة وهو يعني غير الحكومة، لكان اللفظ يحتمل، ويتلافاهم ويردّهم ويكون بهم في عسكر عظيم كما كان قبل رجوعهم عنه، ويصول بهم على عدوه. فلم يفعل، وأقام على حربهم، إلى أن قتلهم وقتلوه t؛ فما لان في كلمة تحتمل التأويل، ليبيّن للأولين والآخرين أمر الدين، فما داراهم ولا قاربهم مع حاجته إليهم وخوفه من أسيافهم؛ فهو ما كان يخاف الجبابرة والأحياء الذين هم في عساكر ويخافهم الناس فكيف يخاف من أبي بكر وعمر وعثمان في حياتهم وبعد مماتهم، وهم في حياتهم وسلطانهم ما خافهم محق قط وإن كان عبدا أو امرأة أرملة ذمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت