فهرس الكتاب
ولا بد لي من إعادة القول بأنني لست من المتخصصين في علم النفس، أو الطب النفسي، ولا علم الاجتماع. وإنما أنا مجرد قارئ لهذه العلوم من باب الثقافة العامة. هذا مع قلة المصادر التي تيسرت لي. وهذه إشكالية أرهقت كاهلي وأتعبتني في سيري وأنا أخوض عباب بحث وجدت نفسي ملزمًا به، ولا بد لي من مواصلته حتى النهاية.
يحق للقارئ هنا أن يقول لي: ما دام الأمر على هذه الصورة، فما وجه هذا اللزوم؟ وما الذي أقحمك في هذا الموضوع؟ ومن الذي أباح لك الخوض في شأن ليس من اختصاصك؟
وأقول مجيبًا: لو كان الباعث لذلك هو البحث العلمي المجرد لما كان لي من جواب. ولكن الأمر كما يقول المثل: (لا يحملك على المر إلا ما هو أكثر مرارة منه) ! الواقع المر الذي نتجرع كؤوسه يومًا بيوم وساعة بساعة هو الذي أقحمني فيما أقحمني فيه. ولم أجد أحدًا قد خاض غمار بحث هذا الموضوع الخطير من قبل، ولا أرى أن أحدًا سيخوضه في المستقبل المنظور. ولذا وجدت نفسي ملجأً إلى أن أخوضه بنفسي رغم قلة الزاد ووحشة السفر. فأنا حين قمت بكتابة هذا الموضوع قمت به قيام المضطر، الذي كان عليه أن يتقدم لسد فراغ وجب أن يسد، وأداء واجب نكل عنه الآخرون الذين ما كان لهم أن ينكلوا عنه.
بيد أنني أطمع أن أكون قد أشرت إلى موضع هذا الداء الدوي، وعسى أن أكون قد فتحت الطريق أمام باحثين متخصصين مخلصين، يخرجون من رحم الواقع والمعاناة - وليس من بين الجدران الصماء، والمكاتب الخرساء - يوسعون البحث ويضيفون إليه، ويصححون ما يجدون فيه من خطأ، ويقوِّمون ما فيه من عوج في ظلال قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10) .
الفصل الأول
منشأ الأمراض والعقد النفسية