فهرس الكتاب
ويضرب د. الوردي مثالًا على ذلك فيقول: إذا أهانك رجل أو اعتدى عليك بحيث لم تستطع لظروف خاصة أن ترد الإهانة عليه، دخلت رغبة الانتقام آنذاك في عقلك الباطن، وبقيت هنالك كامنة تحاول الظهور والتنفيس عن ذاتها بشتى الصور والأساليب. فأنت تصبح إذن مسير من حيث لا تشعر برغبة مدفونة في أعماق نفسك. ولعلك قد تنسى حادثة الاعتداء؛ إذ هي ربما جرت في أيام صباك، وسحبت عليها الأيام ذيول النسيان. ولكنك تبقى رغم ذلك متأثرًا بها تأثرًا لا شعوريًا. فلا تكاد ترى رجلًا آخر له شبه بذلك الذي أهانك أو اعتدى عليك حتى تشعر بكراهته والميل إلى الانتقام منه. فإذا سئلت عن سبب كراهتك له من دون معرفة سابقة له ربما كان جوابك: (( إنك تكرهه من الله ) ). إنك بذلك تنسب إلى الله ظلمًا تقوم به أنت بتأثير عقلك الباطن الدفين [1] .
(1) 1 أيضًا ، ص37. نشرت جريدة (الاتجاه الآخر) في عددها (261) بتاريخ (4/3/2006) تحت عنوان (بعد 28 سنة من العذاب.. مغربي ينتقم من مغتصبه) جاء فيه: قتل خياط مغربي في الأربعين من عمره في مدينة مكناس في وضح النهار مغربيًا آخر كان قد اعتدى عليه في طفولته. وقالت الشرطة: إن القاتل تعرض سنة 1978 وعمره لا يتجاوز آنذاك 13 سنة لاعتداء جنسي من قبل القتيل الذي يشتغل في نقل البضائع؛ مما كرس لديه عقدة الإهانة، التي لم يزدها توالي السنين إلا تفاقمًا؛ مما أجج لديه الرغبة في الانتقام. ومع بلوغ المتهم سن الرشد قرر مغادرة مكناس والاستقرار بمدينة أخرى للتخلص من فكرة الانتقام التي ما فتئت تلح عليه. واختفى المعتدي عن أنظار ضحيته، الذي ظل يبحث عنه طوال السنوات الماضية، قبل أن يلتقيا سنة 2005 بحي يقطنانه عدة مرات. ولم تفارق عقدة احتقار الذات الخياط، المتزوج والأب لأربعة أطفال، إذ ظل يثور لأتفه الأسباب، وتستفزه تعليقات أصدقائه. كما ظل يمنع أطفاله من مغادرة البيت خشية تعرضهم لمثل ما تعرض له في طفولته.