فهرس الكتاب
هناك حالة ثالثة من التماهي بالمتسلط ، نجدها في الممارسات السياسية والمسلحة التي تفتقر إلى هدى تنظيم وتأطير ثوريين حقيقيين.
ما حدث على الساحة اللبنانية يعطينا نماذج واضحة عن تلك الممارسات. المقاتل الذي يحمل السلاح نجده في بعض تصرفاته لا يقف موقفًا نضاليًا، بل هو يتصرف تبعًا لنموذج المتسلط الذي عانى منه سابقًا. بدل أن يعامل الجماهير برقة وروح أخوية نراه يتعالى عليها معطيًا لنفسه مكانة مفضلة، ومقدمًا ذاته على الآخرين. لقد تحول من خلال حمل السلاح من إنسان مقهور إلى آخر متفوق، يلعب دور المتسلط الصغير أو الكبير [1] .
(1) 1هذه ملاحظة مهمة يمكن أن نفهم من خلالها بعض التصرفات غير السوية لدى بعض الأفراد المنتسبين للمقاومة، ممن لم ينضجوا بعد، أو لم يتربوا التربية الإسلامية الصحيحة. وتستدعي عناية خاصة من قادة الجهاد والمقاومة لإرشاد أتباعهم إلى السلوك السليم وتغيير مفاهيمهم وعوائدهم التي درجوا عليها، واكتسبوها من خلال التفاعل المتبادل القديم مع المجتمع الاضطهادي التسلطي، حتى لا تنحرف المقاومة وهي لا تشعر، أو تضل عن أهدافها المرسومة، فتمارس الدور - حين تؤول إليها الأمور، كليًا أو جزئيًا - بالأسلوب نفسه الذي كان يمارسه المتسلط القديم. يقول د. حجازي (ص141) بعد كلام طويل: يخلق التماهي بالمعتدي آيدلوجية مضادة للتغيير الاجتماعي الجذري. تلكم إحدى أبرز مشكلات البلدان النامية وأكثرها خطورة. فالعديد منها تمكن من اجتياز مرحلة التحرر الوطني، ولكن معظمها يتخبط أمام مهمات التغيير الاجتماعي الفعلي، ويعاني من الفشل الذريع فيه، مما يجعلنا الآن نتابع مشهدًا بائسًا على امتداد العالم الثالث. فقد اتضح أن القدرة على التحرر الوطني لا تتضمن بالضرورة ولا تقود حتمًا إلى عملية التغيير الاجتماعي المبتغاة..وليس هناك من مجال للدهشة بهذا الخصوص، فالسبب، أو أحد الأسباب الأساسية في نظرنا، وإذا ما وضعنا مصالح الفئة الحاكمة جانبًا، يكمن في تغلغل التماهي بالمتسلط بمختلف صوره ودرجاته في نفوس معظم القادة وغالبية المسؤولين، والقطاع الأوسع من الجمهور.