فهرس الكتاب
... وكانت لقرطبة كذلك بعواصم المغرب إلى جانب العلاقات السياسية ـ صلات أخرى أهمها التجارية، وإننا نلاحظ أنه في القرن الثالث الهجري بدأ الأندلسيون يتدفقون إلى السواحل الإفريقية وجزر البحر الأبيض، فنراهم يحتلون جزيرة اقريطش (كريت) بعد ثورة الربض، وهم يشاركون في فتح صقلية، ثم يبدأون غزو المغرب الأوسط فينشئون معظم ثغور هذا الجزء من إفريقية مثل تنس Tenes ووهران Oran وبونة Bona وبجاية Buj?a ومرسى الدجاج (1) . وقد تبع هذا النشاط السياسي والتجاري بلا شك آثار ثقافية ظهرت بعد ذلك عندما استفحل النزاع بين الأمويين والفاطميين في شمال إفريقية.
... الدعاية الأندلسية للمذهب السني في المغرب
... وقد ضاعف الأندلسيون نشاطهم حين ظهرت الدولة الفاطمية وتزايد اهتمام الخلافة القرطبية بالشئون الإفريقية وبدت آثار هذا النشاط في مظاهر شتى:
... 1 ـ كان لحكومة قرطبة عيون ووسطاء منبثون في جميع أنحاء المغرب (2) ، وكان هؤلاء الجواسيس يوافون حكومتهم بما يهمها من أخبار هذه البلاد، وساعد هؤلاء في مهمتهم وجود جاليات أندلسية ضخمة في كل مدينة إفريقية تقريبًا، ولم تكن هذه الجاليات ـ في الغالب ـ تحرص على مصلحة البلاد التي استوطنوها بقدر ما كانت تحرص على مصلحة البلد الذي كانت هجرتهم منه، كما أنها كانت شديدة التمسك بالعقيدة السنية التي كانت قد تأصلت في الأندلس (3) ، شديدة الكراهية للمذهب الشيعي إلى حد الاستماتة في قتاله، ولعل هذا هو السبب الحقيقي الذي جعل حياة الدعوة الإسماعيلية لا تطاق في
ــــــــــــ
(1) انظر Levi-Provencal: Historia de Espa?a (trad. Garc?a G?mez) p. 223 y sigts.
(2) ابن سعيد: المغرب 180
(3) وربما أيد ذلك ما يقوله السلاوى من أن المذهب المالكي إنما انتقل إلى المغرب من الأندلس ـ الاستقصا: 61
[31] ... التشيع في الأندلس ... 123
المغرب، فعزموا على إخلاء هذا الميدان والبحث عن مستقر آخر وجدوه أخيرًا في أرض مصر.