فهرس الكتاب
وفي الحقيقة أن مثل هذا الدليل لا تقوم به حجة على ما أرادوا، لأن ما ذكروه آنفا من وجوب وجود هذا الإمام ليحصل اللطف به، منقوض بغيبته طوال هذه المدة، فما الحاجة إلى إمام تتوقف عليه هدايتنا ولا نراه ولا نتمكن من عرض ما اختلف علينا من الأمور عليه، لكي يهدينا ويرشدنا [1] ، وإذا كان هذا اللطف يمكن حصوله مع غيبة الإمام ، فيمكن وجوده بدون الإمام أصلا، فنرجع إلى الاستدلال بالنقل على أن اللطف إنما هو بوجود الإمام ، وعند ذلك ينتفي الدليل العقلي.
والدليل الذي يوجب إرسال الرسل لا يوجب وجود الإمام، إذا علمنا أن وظيفة الرسل تبليغ شرع الله ، وأن هذا الشرع قد كمل وحفظ، فما دام الرسول قد بلغ، فما الحاجة إلى استمرار الرسالة؟ إلا إذا كان الرسول مات وقد بقيت أحكام يحتاج الناس إليها، وعبادة تعبدنا الله بها، وأرادها منا، فقام الإمام بهذه الوظيفة، وكمل ما تركه الرسول ناقصا !
(1) قال شيخ الإسلام: ثم إن هذا باتفاق منهم سواء قدر وجوده أو عدمه لا ينتفعون به في دين ولا في دنيا ولا علم أحدا شيئا ولا يعرف له صفة من صفات الخير ولا الشر فلم يحصل به شيء من مقاصد الإمامة ولا مصالحها لا الخاصة ولا العامة بل إن قدر وجوده فهو ضرر على أهل الأرض بلا نفع أصلا فإن المؤمنين به لم ينتفعوا به ولا حصل لهم به لطف ولا مصلحة والمكذبون به يعذبون عندهم على تكذبيهم به فهو شر محض ولا خير فيه وخلق مثل هذا ليس من فعل الحكيم العادل... فإذا هو لا يمكنه أن يذكر شيئا من العلم والدين لأحد لأجل هذا الخوف لم يكن في وجوه لطف ولا مصلحة فكان هذا مناقضا لما أثبتوه بخلاف من أرسل من الأنبياء وكذب فإنه بلغ الرسالة وحصل لمن آن به من اللطف والمصلحة ما هو من نعم الله عليه وهذا المنتظر لم يحصل به لطائفته إلا الانتظار لمن لا يأتي ودوام الحسرة والألم ومعاداة العالم والدعاء الذي لا يستجيبه الله لأنهم لم يحصل شيء من هذا منهاج السنة ج4 ق89-90