فهرس الكتاب
وهناك من لم تنطل عليه الحيلة، فرجع عن المذهب، كسليمان بن جرير الذي ذكرت قصته كتب الفرق عند الشيعة، وقال مقالته المشهورة: (إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين، لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدا، وهما القول بالبداء وإجازة التقية) . [1]
وكثر التعذر بالبداء في موضوع المهدي، إذ كانت البشارات بظهوره تتكرر، لكن يأبى الله الذي لا يطلع على غيبه أحدا إلا إكذاب هذه الدعوات، ومع ذلك فلا حرج على الإمام، فإنه كان قد اطلع على اللوح المحفوظ فأخبر صادقا بما سيقع، لكن الله بدا له، فمحا وأثبت.
وقد كانت البشارات تضرب لآجال قريبة في بادئ الأمر.
فقد قال أبو جعفر: ( ليس بين قيام القائم عليه السلام وقتل النفس الزكية أكثر من خمس عشرة ليلة) [2]
ثم زيد في المدة قليلا.
فعن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ( يا ثابت إن الله تبارك وتعالى قد كان وقت هذا الأمر في السبعين ، فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه، اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض ، فأخره إلى أربعين و ومائة ، فحدثناكم فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتا عندنا، ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) [3] .
وتكررت هذه الوعود الكاذبة، وطالت الحسرة على هؤلاء الذين ينتظرون الفرج، واشتد يأسهم، وتكرر إخلاف أئمتهم، فيموت أحدهم أسفا ثم يموت ويدفن، وقد قضى عمره ينتظر المهدي، لينتقم وينتصر.
كفى أسفا أن يمر الزمان * ولست بناه ولا آمر
وأن ليس أعيننا تستضئ * بمصباح طلعتك الزاهر
على أن فينا اشتياقا إليك * كشوق الربى للحيا الماطر
وطول انتظارك فت القلوب * وأغضى الجفون على عائر [4]
(1) انظر المقالات والفرق -للقمي- ج1ص310-311
(2) الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 - ص 374
(3) الكافي - الشيخ الكليني - ج 1 - ص 368
(4) ديوان السيد حيدر الحلي ج 1 - ص 32