الصفحة 68 من 138

والآن انظر كيف يفهم علماء أهل السنة الحديث، يقول النووي رحمه الله: (هذه الأحاديث مبنية على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشفقة على أمته، والاعتناء بمصالحهم، والاحتياط لهم، والرغبة في كل ما ينفعهم، وهذه الرواية المذكورة آخرًا تبين المراد بباقي الروايات المطلقة، وإنه إنما يكون دعاؤه عليه رحمة، وكفارة وزكاة، ونحو ذلك إذا لم يكن أهلًا للدعاء عليه، والسب واللعن ونحوه، وكان مسلمًا. وإلا فقد دعا - صلى الله عليه وسلم - على الكفار والمنافقين، ولم يكن ذلك رحمة. فإن قيل: كيف يدعو على من ليس هو بأهل للدعاء عليه، أو يسبه، أو يلعنه ونحو ذلك؟ فالجواب ما أجاب به العلماء، ومختصره وجهان:

أحدهما: أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى، وفي باطن الأمر، ولكنه في الظاهر مستوجب له، فيظهر له - صلى الله عليه وسلم - استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون في باطن الأمر ليس كذلك، وهو - صلى الله عليه وسلم - مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.

والثاني: أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله: تربت يمينك، وعقرى حلقى. وفي هذا حديث: لا كبرت سنك (يشير إلى حديث أم سليم) . وفي حديث معاوية: (لا أشبع الله بطنه) . ونحو ذلك لا يقصدون من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف - صلى الله عليه وسلم - أن يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورًا وأجرًا. وإنما كان يقع هذا في النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - فاحشًا ولا متفحشًا ولا لعانًا، ولا منتقمًا لنفسه. وقد سبق في الحديث: أنهم قالوا: أدع على دوس. فقال: (اللهم اهد دوسًا. اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) . اهـ كلام النووي رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت