فهرس الكتاب
فاتضح أن عبارة «عند الرب» تعني ذلك المكان الذي أشارت إليه آسيا زوجة فرعون حين قالت: (( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ) [التحريم:11] ، فعند الله وعند الرب عالم غير هذه الدنيا الفانية.
فإن قال قائل: إن الله لا يحدّه مكان وتستوي إليه جميع الأمكنة فمن كان عند الله أو عند ربه فإنه يكون في كل مكان. قلنا: إن كان الأمر كذلك لصار كل كافر ومنافق وظالم بعد موته عند الله أيضًا حتى ولو كان يُعذَّب في قبره، لأن الله محيط بالجنة كما هو محيط بالنار، وعندئذ لا تبق هناك خصوصية للشهداء بأنهم «عند ربهم» مع أن هذه العنديّة مقام قرب اختصهم الله به، ويُقصد به أنهم في الواقع في عناية الرب وعند رحمته وهو المقام الذي سماه الله بـ «دار السلام» تمييزًا له عن «دار العذاب» فلم يقل الله أن الشهداء والصلحاء سيصيرون إلى دار العذاب عند ربهم!
بناء على ما ذُكر فإن أرواح الأنبياء والصلحاء والشهداء لا علم لها بالدنيا، كما أن تلك الآية تدل على أن أرواحهم ليست في قبورهم في الدنيا ولا حولها.
الذي يُستفاد من كتاب الله «القرآن الكريم» أنه ليس للإنسان مؤمنًا كان أم كافرًا سوى حياتين كاملتين الأولى «الحياة الدنيوية» والثانية «الحياة الأخروية» . أما عالم «البرزخ» ، ويُقال له أيضًا «عالم القبر» ، فهو عالم الصمت والسُبات وانعدام الوعي بالدنيا، وهو حياة غير كاملة وبلا حركة وفي الواقع تشبه الغفوة في قاعة انتظار دخول يوم القيامة والبرزخ فاصل بين حياتين كاملتين. فالحياة التي ذُكرت للأموات بعد الدنيا سواء الصالحين أم الطالحين حياةٌ ناقصةٌ قبل يوم القيامة.